رد: الدوامة
وانبرى المهندس قائلاً بسرعة وكأنه اكتشف شيئاً جديداً:
ـ إذاً.. أنت معي في أن الدراسة ضرورية قبل القيام بأي عمل وحدوي.
أجاب الدكتور فارس بهدوء: كل عمل بحاجة إلى تفكير وتخطيط قبل تنفيذه.. ولكن بشرط أن يكون هناك اهتمام حقيقي جدي بهذا العمل... أما إذا فقد الاهتمام، فلا عمل ولا...
وقاطعه المهندس فؤاد: الاهتمام موجود يا دكتور... ولكن لابد للتفكير والتخطيط من زمن...
قال الدكتور بصوت يرشح مرارةً:
ـ الزمن المعقول... مقبول إلى حد ما، ولكن الزمن الطويل ليس من صالحنا... عشرات السنين مرت على تجربة الوحدة، ونحن نبتعد أكثر فأكثر عن الدولة العربية الواحدة.. أصبحت لكل قطر شخصيته المميزة التي ينادي بها في قوانينه وإعلامه وأغانيه وأناشيده!... شخصية قطرية هزيلة، بدلاً من الشخصية العربية الممتلئة والتي كانت هدفاً نسعى إليه وأملاً نرنو إلى تحقيقه!..
إننا يا أخي نزداد ـ مع الأيام ـ ابتعاداً عن بعضنا... تقاليدنا بدأت تتمايز، "أفكارنا بدأت تتصارع، أهدافنا بدأت تتنافر..إنك تشعر ولاشك أن قيام الوحدة في الخمسينيات كان أسهل بكثير من قيامها من الستينيات، وقيامها في الستينيات أكثر سهولة من قيامها في السبعينيات!..فناهيك عن الثمانينات والتسعينيات ومطالع القرن الجديد!!...
إن الزمن ياصديقي يسبقنا، وعلينا أن نركض ونركض كي نلحق به..
****
الذي يستمع إلى الدكتور فارس، وهو يتحدث في أمور السياسة، لا يتصور أنه أمام ذلك الإنسان القلق الحائر الزائغ البصر الذي لا يجرؤ على رفع رأسه!...
والذي يصغي إلى أفكاره المنظمة وتحليلاته المرتبة، لا يتوقع أنها تصدر من الفم الذي لا يكاد ينطق بشيء... وهو إن نطق فكلماته مشتتة، وألفاظه مبعثرة، لا تكاد تحمل ـ حين جمعها ـ جملة مفيدة أو معنىً مقبولاً!!
غريب أمر البشر... في تكوينهم النفسي عجائب وأية عجائب!! فسبحانك يا رب، آمنت بك وصدقت!!..
|