رد: الدوامة
****
أكثر الناس احتداداً في النقاش مع الدكتور فارس.. كان المهندس فؤاد!
كانت آراؤهما السياسية متباينة، ووجهات نظرهما متعاكسة.. وكانت جلسات حوارهما صاخبة حامية.. تعلو فيها الأصوات، ويحلو فيها التحدي، وتستفز خلالها الأعصاب!
وما أكثر المواضيع الفكرية والسياسية التي تطرح على بساط بحثهما، وما أكثر الخطوط الحمراء التي يتجاوزونها في معاركهما الكلامية! على كل حال، لم يكن من الضروري الوصول إلى هدنة، أو وقف لإطلاق نار الاتهام.. فهذا أمر بعيد المنال في جلساتهما حامية الوطيس، خاصة وأن تحليل القضايا المعاصرة بات مشكلة عويصة، والسعي إلى بقعة ضوء وسط هذا الظلام المخيم أمسى شاقاً منهكاً، والاتفاق على رأي واحد وفكرة مشتركة هو في غاية الصعوبة ومنتهى التعقيد.
***
-نحن لا نطفئ الشمس.. كما تدّعي! إنني أتوق إلى إزاحة الظلام الذي يخيم على أوطاننا. ويبسط رداءه المقيت على أمتنا الواحدة.
قال المهندس كلمته تلك.. وأخذ ينظر إلى الدكتور فارس نظرة ذات مغزى!
قال الدكتور فارس:
-ولكنك تهرب من مسلمات تعتبر ألف باء الفكرة العربية، وتشيح بوجهك عن قضايا لها صلة متينة بإحياء هذه الأمة..
أجاب المهندس فؤاد:
-ومن قال لك إنني أفعل ذلك.. إن الأمور تعاكس تصوراتك تماماً..
قال الدكتور، وهو يحرك سبابته حركة عصبية:
-أفكارك المطروحة تثبت صحة ما أقول، وكلامك المتكرر يؤكد دائماً تلك الاتجاهات السلبية.
احتد المهندس قائلاً:
-لا يا دكتور.. إنك تفسر كلامي تفسيراً غير حقيقي.. فأنا لدي اعتبارات معينة أنت لا تدركها!.
وارتسمت على وجه الدكتور أكثر من إشارة استفهام.. قال:
-كيف!؟ كيف تفسر لي هذه الهُوّى العميقة التي فصلت بين أبناء الشعب العربي الواحد.. كلٌ في دولته المصطنعة، وكلٌ يسير وفق خط يخالف خطوط الآخرين، وكلٌ يحاول أن يرتدي ثوب الإقليمية الضيقة الذي يغاير في شكله ولونه ثياب أشقائه!!؟
ثم.. أليس هناك من يحاول أن يمسخ فكرة (الوحدة)، ليحولها إلى مجرد اتفاق في الرأي، أو تقارب في وجهات النظر، أو تبادل في الخبرات العلمية والتقنية، أو تعاون في المجالات الثقافية والاقتصادية الصناعية!؟ وهذه جميعاً أشكال مزاجية لا حول لها ولا قوة، أشكال خلبية لا يسعها أن تكون بديلاً عن (الوحدة) الحقيقية، أشكال هشة يمكن أن تقرر بجرّة قلم، ويمكن أن تمحى من الوجود.. بجرّة قلم أيضاً!..
رفع المهندس كفه المبسوطة، وكأنه يطلب من الدكتور فارس التروي قبل إصدار الحكم... قال بلهجة هادئة:
ـ يا دكتور... تراكمات السنين الماضية، لا تحل بين عشية وضحاها.. لابد يا دكتور من تقارب العقول بعد تقارب القلوب، لابد من إزاحة الجهل المخيم، والفقر المدقع، والارتجال في اتخاذ القرارات، والفوضى في تنفيذ الإصلاحات.. لابد من إيجاد وحدة سلوكية قبل قيام وحدة رسمية.
|