رد: الدوامة
الفصل السابع
-1-
لا بد لمن يعاشر الدكتور، من أن يشعر بأنه أمام إنسان ذي أطوار غريبة.. فهو يراه - أحياناً- صامتاً لا يتكلم مع أحد، همّه أن يطرق رأسه ويمعن في التفكير، أو ينظر إلى بعيد نظرات شاردة لا معنى لها، أو يحملق إلى وجه محدثه ببرود يكاد يصل إلى حد البلاهة.. وأحياناً أخرى يراه مندمجاً في أحاديثه مع الآخرين، يدافع بقوة وصلابة عن رأيه، وينظر نظرات مركزة في وجه محدثه، ويصغي بانتباه إلى كل كلمة يتفوه بها!!
ولكنه سواء أكان في صمته أم في حديثه، في نفوره أم في إقباله.. فقد كنت أحس أن شيئاً ما في داخله يعذّبه، بل يكاد يقضي عليه.. فمعالم الحزن ما غابت يوما عن وجهه، والضحك كان شبه محرم على فيه، وهو إن ضحك فما كانت هذه (الضحكة) لتخرج من أعماق صدره أبداً!
مع الأيام.. ازدادت علاقتي بالدكتور فارس، وتوطدت صداقتي معه.. كثيراً ما كنت أزوره في العيادة الحكومية حين يخف عدد المراجعين، وكثيراً ما كان يزورنا في ورشة عملنا.. حتى أن زملائي العمال استغربوا ذلك التحول الذي طرأ على شخصيتي، إذ تغيرت بعض طبائعي، وأخذت أسامرهم وأحادثهم وأشاركهم في أعمال البيت!.. ولعل الصداقة الجديدة هي التي أحيت في نفسي شيئاً من الحماسة لهذه الحياة.. ولعل أصحابي أدركوا هذا السبب أيضاً، لذا فإنهم كانوا ينادونني بلهفة حين يدلف الدكتور من الباب:
-جاء صديقك يا تحسين!
وما كان الدكتور لينزعج من أن أُسَمَّى صديقا له، فالصداقة بين عامل وطبيب طبيعية جداً، وفق المبادئ المأخوذ بها إلى حدّ الهوس!
-2-
كان موعد زيارة الدكتور لنا قبيل التاسعة.. ولا يكاد يأخذ مكانه في المجلس حتى يمسك بالمذياع، ويدير إبرته ببطء حتى تقف عند محطة عالمية تبثّ أخبارها في ذلك الوقت.. ونضطر إلى السكوت طوال المدة التي تستمر فيها النشرة!.. كنت ألاحظ انفعاله مع كل خبر، كان يعيش مع الأخبار وكأنه في عالم آخر.. عالم لسنا نحن من سكانه! وعندما تنتهي الأخبار، يعود إلينا.. بصمته أو بحديثه.. حسب الطور الذي يعيش فيه!!
أحياناً.. كان الدكتور يحدثني بكلمات غير مفهومة! وكأنه يقصد من وراء كلماته هذه أن أشاركه مشكلته التي يعاني منها، من غير أن أعرف ما هي المشكلة بالتحديد!! مصيبة كبرى أن يحمل الإنسان في صدره هماً عظيماً ثم لا يقدر أن يبوح به أمام الآخرين! فهو حين يطرح أمامهم همومه وأحزانه يشعر براحة كبرى، فكيف إذا وجد بعد الطرح حلولاً ناجعة تشفيه!! أتمنى لو يبوح الدكتور لي بما يعتلج في صدره لعلي -وبإمكاناتي البسيطة- أتمكن من مساعدته في الوصول إلى درب الحلول وطريق الشفاء... ولكنه لم يفعل ذلك حتى الآن، ولا أعلم إن كان سيقدم على ذلك في المستقبل؟؟
|