رد: الدوامة
وتابع الدكتور حديثه، بلهجة يغلب عليها الهدوء:
-يا أخي.. يكفي أن الغربة قاسية بطبيعة الحال. فأنت منسلخ عن أهلك وأحبابك ومجتمعك الذي ألفته منذ نعومة أظفارك، وأنت بعيد عن ديارك التي شهدت أيامك الأولى، وعاداتك التي مشيت عليها منذ أن وعيت هذه الحياة.. يقتلك الشوق كل يوم مائة مرة، ويذبحك الحنين كل يوم مائة مرة، وتخنقك اللهفة إلى رؤية الوجوه البعيدة كل يوم مائة مرة.. نعم يا أخي، الغربة قاسية قاسية، وأنت بحاجة إلى أناس يواسونك في غربتك هذه، ويخففون عنك عناءها وضيقها وأذاها.. لكنك هنا تفاجأ بالعكس، أجل تفاجأ بالعكس، تفاجأ بمن يزيد من مرارة هذه الغربة، بمن يجدّد آلامها ويضاعف أحزانها!
وصمت....
نظر إلى بعيد بعينين مغرورقتين، وكأنه يحاول أن يستشف من الجبال الجرداء ما يساعده على إتمام حديثه!
وعادت كلماته تطرق سمعي بإيقاع عجيب:
-إننا شعب واحد، وأمة واحدة... المفروض أن يسافر الواحد منا بحرية ويتجول بحرية.. أن يشعر بأنه يعيش في بلده مهما تباعدت الأسفار وتغيرت المسافات، وإلا.. فما فائدة هذه الشعارات المرفوعة وتلك الأهداف الموضوعة، إن لم نطبقها في سلوكنا اليومي وتعاملنا الشخصي، وعلى جميع المستويات عامة كانت أم خاصة؟
إن الوحدة لا تتحقق إلا بتآلف القلوب، وتراحم النفوس..
وكي تقوم الوحدة الحقيقية في بلداننا، علينا أن نقيمها أولاً في صدورنا!
|