رد: الدوامة
الفصل السادس
-1-
-أكثر ما يحزّ في نفسي، أنهم يسموننا (أجانب)!
قال عبارته هذه، ثم تنهد بعمق.
قلت:
-لم أنت مستاء من هذه التسمية يا دكتور!! لقد اعتدناها، وستعتادها أنت أيضاً، بعد أن تقضي أياماً أخرى في خدمة هذه البلد.
قال وهو يهز رأسه:
-يا أخ تحسين.. إنها تسمية جارحة، ولقب مؤذ.. إنني أحس بسكين تطعن قلبي حين يقال لي (أنت أجنبي)، وأنا إنسان عربي أعيش في بلد عربي يفترض فيه الأصالة!
قلت له:
-وماذا يضيرك من هذه التسمية.. ليسمونا كما يحلو لهم، فالأمور بحاجة إلى شيء من (التطنيش)!!
قال بانفعال:
-لا أقدر على تحمل هذه الكلمة؟ إنني في بلد هو منبع للأصالة العربية، ومورد لأخلاق العرب، ومَعْلَم للضيافة والكرم والسلوك العربي.. مع ذلك ففيه من ينظر إليك على أنك أجنبي غريب، جئت إليه لأخذ فلوسه وابتزاز أمواله، متناسياً كل مجهود تقدمه له، وكل خدمة تؤديها لمجتمعه.
قلت، مكرراً أفكاري السابقة:
-على كل حال، ما دام الأمر لا يتعدى التسمية، ولا يصل إلى حقوقك الأساسية.. فلا أرى أنه يستحق منك هذا الانفعال.
التفت إلي، وأجابني بحدة:
-ومن قال لك إنه لا يمس شيئاً من حقوقي!! ليست حقوقي يا صاحبي هي استلام الراتب في نهاية كل شهر.. بل حقوقي أن أشعر بأنني أعيش في مجتمع عدل ومساواة، أن أعامَل أمام القانون كما يعامَل أي فرد في هذه البلد، أن تطبق علي الأحكام التي تطبق على كل إنسان في هذا المجتمع، أن أقف موقف الند بجانب أي شخص يحمل جنسية هذه الدولة.
قلت، محاولاً تهدئته:
-وهل يعاملونك معاملة شاذة، تختلف عن معاملة الآخرين.
نظر إلي شزراً.. وقد تضرجت وجنتاه، قال:
-آه.. لو غيرك قالها! فأنت أدرى مني بهذه الأمور، بعد أن مضى على وجودك هنا عدة سنوات! انظر يا تحسين.. في الدوائر الرسمية معاملتك تختلف، وفي الأسواق والدكاكين معاملتك تختلف، وفي مكان عملك النظرة إليك تختلف تماماً عن نظرتهم إلى أي إنسان متجنّس يمارس مهنتك نفسها، حتى راتبك يختلف اختلافاً غير معقول عن رواتب الآخرين الذين يقدمون المجهود نفسه ويحملون المؤهلات ذاتها إن لم تكن أدنى منها!.. بل، حتى شرطي السير- الذي تلقاه في طريقك دائماً- يعاملك بطريقة تختلف.. فهو يشدد عليك فيما يتعلق بالرخصة والاستمارة، ولا يقبل منك أية رخصة دولية مهما تكن سمعتها.. بينما تراه يغض النظر عندما تمر أمامه سيارة مسرعة يسوقها طفل يرتدي الزي الوطني، ولا يتجاوز عمره تسع أو عشر سنوات!!.
|