رد: الدوامة
قال أبو سالم:
-الحقيقة.. كلنا غرباء.. وكلنا نعاني من آلام الاغتراب، ونتجرع كؤوسه المرة كل يوم.. ولكن لقاءاتنا هذه، قد تخفف بعض آلامنا وأحزاننا.
ووافقه أبو أحمد بقوله:
-فعلاً، فعلاً.. فاجتماعنا هذا يعيد إلينا الجو الذي نألفه في بلداننا، مثلاً أنا أشعر أن هذا البيت قطعة من بلدي.. بلهجة سكانه، وطريقة تفكيرهم، وأسلوب عملهم.. حتى بالكيفية التي يطهون بها طعامهم!.
وضحك أبو عدنان قائلاً:
-يبدو أنك قد جعت يا أبا أحمد!
أجاب أبو أحمد مبتسماً:
-ليس تماماً.. ولكن رائحة الطعام التي تسربت من باب هذا المطبخ، هي ما أثار اهتمامي!!
قال أبو عدنان بصوت عال:
-أبشر، أبشر.. سنطعمكم بعد قليل طبخة شامية شهيرة صنعتها يد الشباب.
-3-
كان يأكل صامتاً.. وكانت اللقمة تقف أحياناً في يده وهو يحدق إلى وجوه المحدثين، ثم تعود إلى رحلتها الطبيعية، كان يبتسم عندما تُروى فكاهة أو تُذكر طرفة، ولكنه لم يتكلم قط! ولم تتحرك شفتاه إلا عند انتهائه من طعامه، وقتئذ تمتم ببضع كلمات شاكرة، ثم غادر المائدة متعثراً، وفي عينيه سؤال عن مكان المغسلة.
وأسرعت بالقيام، لأكون الدليل الذي يرشده إلى صنبور الماء.
تبعني، وصمته مازال مرافقاً له.. ناولته لوح الصابون، استلمه مني، وقد ارتعشت على شفتيه ابتسامة، ثم بدأ يغسل يديه بهدوء وتأن..
كان نحيل الجسم، طويل القامة، عريض الجبين، خفيف الشعر.. كان ثوبه نظيفاً وإن كان يعوزه الكي! وكان جيبه العلوي منتفخاً بكدسة من الأوراق ربطت بقلم حبر جديد.. وكانت معالم القلق بادية في حركاته.. أحسست بارتباكه من نظراتي، فأشحت بوجهي كي يأخذ حريته بعيداً عن عيني المراقبتين..
غمرني ارتياح غريب لوجودي معه، وأحببت، أن أتقرب منه أكثر فأكثر..
حين ناولته (المنشفة) كي يمسح بها آثار الماء، قدمت له نفسي قائلاً:
-أخوكم.. تحسين، تحسين الدمشقي.
أجابني بأدب جم:
-تشرفنا يا أخ تحسين.. وأنا فارس.
وشجعتني إجابته المتواضعة على الاستمرار.. فقلت:
-من أي بلد.. دكتور فارس..
|