رد: الدوامة
ضحك أبو عدنان وقال:
-البيت الضيق، يتسع لألف صديق.. ستنام بالطبع مع الشباب، وفي هذه الغرفة.
لم يكن عرق الطريق قد جف بعد، ولم يكن غباره المقيت قد مُسح عن وجهي وشعري وثيابي.. عندما قمت ونيران الغضب تتأجج في صدري، وهرعت إلى حقيبتي فاتحاً إياها بنزق، أخرجت ورقة العقد.. ومزقتها بانفعال إرباً إرباً.. ثم رميت مزقها أمام أبي عدنان ونظرات التحدي تكاد تثقب وجهه:
-هيا.. أعدني إلى المكان الذي أحضرتني منه، وهناك سأرضيك بما تريد، لأنني الطرف المنسحب من تنفيذ العقد.
ولم يرد أبو عدنان، بل نظر إلي ببرود.. بينما قام بعض الشباب لتهدئتي، طالبين مني التريث.. إذ ربما غيرت رأيي بعد معرفة ظروف المعيشة.. قالوا لي:
-ستسرّ معنا في هذا البيت المتواضع.. جرب أياماً معدودة ولن تخسر شيئاً.
في كلماتهم طيبة ساحرة، وعاطفة مريحة.. جلست، وأنا أتمتم بكلمات اعتذار غير مفهومة.. ثم جئت بفراشي، ووضعته في المكان الذي اختاره لي أبو عدنان.. ألقيت بجسدي المنهك عليه، ثم غطيت وجهي بالوسادة، وأخذت أبكي بكاءً مراً!!!
-2-
استيقظت باكراً على صياح الديكة.. نظرت حولي فلم أجد أحداً.. تذكرت أحداث الليلة الفائتة، عادت الغصة لتسكن في حلقي، بلعت ريقي بصعوبة، وأنا أشعر وكأن البكاء يعاودني من جديد.. تحاملت على نفسي، وقمت من فراشي وأنا أتلفت هنا وهناك.. أين ذهبوا.. يبدو أنهم جميعاً يزاولون أعمالهم في هذه الساعة المبكرة!.. وضعت (المنشفة) على كتفي، وخرجت من السكن.. دهمني نور النهار الذي غمر الأرجاء، وداعبني هواء الصباح بنسماته الندية العليلة.. نظرت إلى العصافير الملونة تطير هنا وهناك وهي تملأ الفضاء بألحانها الشجية، وتابعت بنظري جذوع النخيل وسعفه الخضر وعناقيده المدلاة الشهية.. ثم التفت إلى الأفق الشرقي، وقد بدأ يتمخض عن شمس تضحك ليوم جديد..
أحسست بالسعادة تغمرني فجأة، فلا شيء يفوق حبي للطبيعة الساحرة.. نعم، أحسست بالسعادة.. فها هي ذي السحب السوداء التي أحاطت بي قد تبددت، وها هي ذي شموس الأمل والتفاؤل قد أشرقت من جديد، وها أنذا أشعر أنني على أبواب قرار جديد.. أيضاً!.
لماذا لا أبقى؟ حقاً... لماذا لا أبقى؟... وهل هناك ضير من السكن مع هؤلاء تحت سقف واحد، ما دام التفاهم هو اللغة المشتركة بين الجميع.
صوت أبي عدنان يناديني من بعيد، ويوقظني من تأملاتي وتساؤلاتي.. رأيته يلوح من مرتفع يطل على البيت، رددت تحيته بحركة مقتضبة من يدي.. صاح أبو عدنان ثانية:
-هيا.. انته من حمامك.. وتعال لأريك مكان عملك..
|