رد: الدوامة
الفصل الثاني
-1-
انطلقت سيارة (أبي عدنان) بنا حوالي السادسة صباحاً... وعندما أصبحنا خارج المدينة، وتخلصنا من طرقها المتفرعة، وجسورها المعلقة، وسياراتها التي ليس لها عدد.. أطلق أبو عدنان العنان لسيارته.
وقد حاولت أن أحافظ على رباطة جأشي، بيد أن عيني فضحت أمري!. لأنني كنت أنظر بطرفها إلى عداد السرعة، وأتابع دوران السهم الذي تعدى المائة والثلاثين!.
وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت بعض السيارات تمر بنا.. وتسبقنا!.
على كل حال، السرعة الجنونية شيء طبيعي في هذا البلد، وعلى هذه الطريق بالذات.. ولكن المصيبة أن أية حادثة تحدث، فإن الموت نتيجة شبه حتمية لأصحابها.
بعد مسيرة ثلاث ساعات تقريباً، لاح أمامنا مفرق للسيارات..
خفف أبو عدنان قليلاً من سرعته، ثم دار باتجاه الطريق الأيسر، وبعدها تابع سيره بسرعته المعهودة، بل وزاد عليها قليلاً.. لأن ازدحام السيارات قد تناقص إلى الربع في هذه الطريق الفرعية..
اعتلت الشمس كبد السماء، وغدت أشعتها شواظاً مخيفاً يلسع كل من يجرؤ على تعريض بشرته لها.. ومما عقّد الحالة أكثر فأكثر، تعطل مكيف السيارة، فكنا مضطرين إلى فتح النوافذ الزجاجية كي يخفف الهواء شيئاً من حرارة الجو.. ولكن حتى هذا الهواء بالذات، كان يلفح وجهي بضرباته الساخنة.. وأحسست بالعرق يتدفق من مسام جلدي بغزارة، والبلل يغمرني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي!.
وطلبتُ من أبي عدنان أن يغيثني بالوقوف في أقرب محطة، عسى أن نجد فيها شيئاً من المثلجات أو (البارد) كما يسمونه هنا.. وفعلاً، توقف في أول استراحة صادفتنا.. كانت كغيرها من الاستراحات المتناثرة على طريق هذا البلد: بناء اسمنتي مفتوح الجوانب، تنتشر تحت سقفه الخشبي مقاعد طويلة من القش، وبين كل مقعدين هناك طاولة مستطيلة مصنوعة من الخشب أيضاً.
اتجهت نحو مكان ظليل، وتهالكت على أقرب مقعد فيه.. لحقني أبو عدنان وهو ينادي النادل كي يأتيه بالبارد، ويعمّر له (شيشة)..
|