رد: الربع الخالي
ينفرد إلى نفسه أغلب ساعات يقظته، يأتي النوم في النهاية خلاصاً مؤقتاً، يراقب الصغيرين في لعبهما، ويحاول التركيز في أوراقه ومراجعه. لا تخفي تبرمها من ركونه إلى الكتب فتبدي تذمرها بحجج مختلفة. بالتكرار عاف كتبه وافتقد شهية البحث العلمي.
يتذكر البرص الضخم المسترخي فوق سلك نافذة الحمام.
أدركه خوف وقشعريرة من حجمه الضخم، حاول أصابته بأصابع مرتعشه إلا أنه هوى في الخلف وعاود الصعود بعد دقائق.
بالتكرار ألف وجوده في نفس الموضع، وسكنه تعاطف حقيقي معه، وتجاهل مخاوفه الكبيرة والطفليه، الآن وجد صديقاً في هذه البلدة الصموت يقاسمه الوحدة والأسى، صديقاً في بيته الموحش.
حاول قراءة نظرات البرص الغامضة: أعداء أم شماتة أم اتهام!
وحيداً في غيابها، وحيداً في حضورها، في البداية كان مدفع الثرثرة ينطلق يقص وقائع اليوم الدراسي: شغب التلاميذ، ومشاعرهم المحايدة، ومكائد زميلاتها المصريات، وتحفظ غير المصريات معها، ولكن التكرار جدُّ الرتابة وأبوالضيق، فركنتَ إلى الصمت ومداعبة الطفلين وأحلام الاقتناء المتصاعدة.
ضبط نفسه أحياناً يفضفض إلى البرص بهمومه، الغريب أن الآخر تعود على وجوده، يقبع إلى الصمت محركاً ذيله وكأنه يرحب به.
تعودت امرأته الخلود إلى النوم مبكراً، ينشدها فتصده.
- متعبة.. ألا تفهم؟
- فلنتحدث قليلاً.
- للصبح أذنان وعينان.
- أجن من الوحدة، أفتقدك.
- الصباح رباح.
ويجيء الصبح والظهر والعصر ولكنه لا يربح شيئاً في حين تستأثربالربح كله لنفسها، ينسحق إلى حبة رمل من بين حبات ربع مليون ميل مربع حجم صحراء الربع الخالي، قطرة في أكبر بحر رملي في العالم كله.
يتذكر عبارة ياقوت الحموي في "معجم البلدان"، قرأها في مرجع في سنوات الدراسة بكلية العلوم " رمل لا تدرك أطرافه عن يمين مطلع الشمس من حجر اليمامة".
تقعي وراء مرتفعات السراة في الغرب، تواجهك مرتفعات عمان من الشرق، وتحاصرك مرتفعات حضرموت من الجنوب.
يصل خيالك إلى " الوبر " البلدة الأسطورية، مدينة عاد وثمود كما يزعمون، وأحفاد لوذ بن نوح، ولكنك لن تلقى مصيرهم، ولن تدفن مثلهم تحت طوفان الرمال التي ابتلعتهم منذ آلاف السنين، وستطير بأجنحتك حتى موضع قبر هود، لتسأل بلهفة عن مصير قومه.
يناديك أصحابك وخصومك في مدرسة الحسينية الاعدادية بالعباسية "يا أعرج" وعندما تشاركهم لعب الكرة الشراب في "أرض النمسا" خلف مدرستك يتهرب الفريقان من اختيارك، فتقترح في أسى أن تقف حارس مرمى، فيوافقون على مضض،
تخصك أمك بعطف مفرط، ويقدر أبوك محنتك فلا يقسو عليك، وان عجزا عن مواجهة نظرة الادانة في عينيك: من أورثني تلك العاهة منكما؟
في سنوات الجامعة تراجع احساسك بالعجز، وازددت ثقة في نفسك، وان عرفت حدودك، ستحب "انتصار" زميلتك بالكلية طوال سنوات أربع بلا أمل حقيقي، حري بالقلب أن يسلم زمامه لأمل كوني، ولكنه يعرف حدوده أمام صرامة العقل، سيبقى سرّك فضيلتك الكبرى، وصمتك مزيه تقل في زماننا، تلتقط " انتصار" الرسالة من عينيك، تفضها ولا ترفضها وأن انتظرت البوح بك، فأي حكم كنت!
عانيت الأمرين يا فتى: خلاص البوح وسعير الكتمان، وستصفر بأغنية حليم "خايف مرة أحب" مئات المرات بشفتيك دون أن تغنيها.
تتبع أخبارها بعد التخرج، تزوجت ابن عمها ضابط الشرطة، وارتحلت معه بعيداً عن القاهرة أكنت عاشقاً من نوع خاص، أم أورثتك عاهتك الجبن والواقعية معاً؟ تسهر حتى الفجر، وعندما تستيقظ على جلبة الطفلين الوحيدين، تكون هي في الحصة الثالثة تقريباً، تقرأ ورقة التعليمات التي تكتبها كل صباح وتتركها فوق الكومدينو قبل ذهابها. للوساوس عفتها أحياناً، أصابك وسواس حديث العهد بشأن مالها، فأصبحت ترتاب فيه وتعافه..
تسأل نفسك أحياناً: هل هذا الطعام حلال أم حرام؟
تترك الطفلين وحدهما وتقصد السوق لتبتاع ما كتبته لك، تحدق إلى أوراق النقود وتشعر بتثاقل في يديك وأنت تلتقطها من الدرج، تحسد البرص الذي يروح ويجيء بلا رقيب، تتبادلان أسراركما، فتبوح بهمومك المختزنة وتطلب المعونة منه، ويقص عليك شجرة حياته ورأي بني جنسه في قضايا التوتر السياسية ويقدم حلولاً لأزمة السكان والفساد والبطالة.
تعتذر له عن ترفعك وقرفك عندما أمسكت بالمشرط في المعمل لتشرح برصاً صغيراً في أول سنوات الجامعة، كنت غرا وقتها، فلتصفح عني يا صديق، أي قاتل كنت!
تبحث سراً عن عمل، ولكن البلدة تضيق بك يا خريج العلوم.
تحدق في الطفلين خلسة. يشبه الطفلان أمهما، كأن المؤامرة اكتملت إلا أنهما حملاً روحك. تقلقه تلك المسافة بينه وبينهما، وقذفته صغيرته بالسؤال يوماً ما: لماذا لا تسير مثلنا يا أبي؟
أيهما أقدم في الوجود: البرص أم فريق الأهلي؟
تحدق في امرأتك في الفراش فتكتشف كائناً غريباً عنك، أصبحت تنطوي على عالمها الخاص، يقلقك هذا البريق المخيف في عينيها عندما تجلس لتعد النقود وتسجل حساباتها في الورق، تضيف وتطرح وتضرب وأنت لا تفهم.
أحياناً تحدثك بلهجة ثلجيةونظرة برقية سنتملك ونشتري ونقتني،تشعر بأن نغمة التملك في حديثها حبل مشنقة يلتف حول أعناقكم جميعاً، تبوح بضجرك فتلبسك وجه الفقر حتى لا تنساه. تكف عن سؤالها عن دخلها وعن مدخراتها، وتتعامى عن حليها الذهبية الجديدة التي تثقل يدها ورقبتها بلا توقف.
- طلبت منك مراراً التخلص من هذا البرص.
تناورها وتنتحل الأعذار، لا تسكن هذه المخلوقات أنانيتك ونظراتك الجشعة وأحلام التملك المستفز، في حديثك. لا تتذوق الأبراص المياه المعدنية ولا تضع "الكاتشاب" على الطعام ولا تعرف الزواج العرفي أوالخيانة الزوجية، فخليق بنا أن ننحني لها احتراماً.
هل تحدثه عن قيس الذي أبصر قبر امرأة غريبة ماتت ودفنت في الصحراء، فشهق من الحسرة مواسياً: أيا رفيقتي ونحن غرباء، وكل غريب للغريب نسيب؟
|