Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - العصفور والريح
الموضوع: العصفور والريح
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-14-2009, 02:59 PM   #153
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

30 -‏

بعد الفجر بساعة، شعرت بأصابع خفية، ناعمة تلمس جبهتي الساخنة، بحنان وشفقة فتطفىء لهيبها. ولم تكتف، هزت كتفي برقة متناهية، فأيقظتني من رقدتي القصيرة.‏

في البدء تنبهت إلى صوت موسيقا عذبة، شجية. يسري مع هسيس الأغصان وزقزقة العصافير..!‏

فتحت عينيّ، فبهرني ضياء نور لامع! يشع في أرجاء الغرفة بشكل عجيب!‏

رفعت رأسي عن الوسادة، لأتبين سره، فتراءت لي هالة نورانية تحيط بملاك جميل يسبح في الفضاء! دهشت، وزادت دهشتي حين رأيته ينحني لي باحترام! انشددت إلى ملابسه البيضاء الناصعة. وانتبهت إلى ابتسامته الحلوة، وإلى شفتيه الرقيقتين وهما تهمسان بحزم:‏

-حانت النهاية يا كاكاحمه.. وآن أوان الرحيل..! انتظر مجيئه.. وإن تأخر أكثر من "المقرر"..‏

ولم أرتعب أو أهتز رهبة. تقبلت الأمر برضى وسرور. وأبديت كامل استعدادي لمرافقته. لكني ناشدته برجاء، منحي ساعة واحدة فقط. كي يتسنى لي أن أشرح لزوجتي، ما لي وما عليّ.. لتكون على بينة وإطلاع تام، ومعرفة بما يجب أن تفعله بعد رحيلي. فحياتي انتهت، وما عاد هناك من داع لإخفاء الحقيقة عنها.. وكما قال الطبيب "ما من بصيص أمل" فمرضي عضال شديد، يصعب شفاؤه.. وعليها تكملة المشوار..‏

حنى رأسه موافقاً. وأعلمني بلسان حلو خافت، قبل أن يختفي.‏

-تحققت أمانيك..‏

أحسست بالسعادة الخالصة، والراحة وأنا أستوي جالساً! فلقد تحققت أمنياتي حقاً.. انتهى الكابوس الذي عشته منذ سبعة أشهر.. تملكتني حالة عجيبة من الفرح والبهجة العارمة، والزهو.. إذ تخلصت من المأساة.. بعد أن عشتها معذباً..! عشت في جحيم حقيقي.. كنت أحسه في كل لحظة. لكني لم أقدر حجمه إلاّ الآن.. حين تحققت الأماني.. بشكل آخر.. وبرد جسدي..!‏

شعرت بأني أعبر ذرا الحزن الشاهقة. تلك التي كنت أصلها كل يوم مرات ومرات.. وأقيم فوقها مجبراً.. أبكي عندها بصمت.. أندب حظي.. وأتمنى أن يتبدل نحو الأحسن.. عبرتها الآن في ثوان دونما دموع..! الآن ما عدت أتمنى إلا أن أرقد بسلام. فالنشاط بدأ يدب في أوصالي والحيوية أخذت تسري في جسدي وزال الألم وتلاشت الأوجاع.. وتفتحت شهيتي بصورة غريبة.. وأنا الذي تمنيت طوال الأيام الماضية.. أن تتحسن صحتي ويخف الألم الذي يكاد يمزق الأحشاء.. وفي كل ليلة كنت أتمنى أن يطلع الصباح عليّ وقد زايلني الوجع تماماً واستعدت نشاطي.. لكن ذلك لم يحدث قط.. إذ لم يفارقني الألم وفقدت شهيتي إلى الطعام.. وأخذ جسمي يهزل من يوم إلى آخر.. وقواي تضعف ساعة بعد ساعة..‏

كانت هدهد بجانبي، تغط في نومها، وأمي ذهبت بعد الصلاة إلى بشيرة، التي أسقطت أمس جنيها وهي في الشهر الرابع..‏

تركت السرير.. فتحت النافدة. كانت شمس الصباح في بدايتها، وخيوطها الذهبية بدأت تلمع بخفوت وراح سرب حمام يأوي إلى الفناء. تاركاً أعشاشه ليلعب في باحة الحديقة، ويفتش عما تعودت أمي وضعه له..‏

فاحت رائحة الورد بشدة. وعبقت الغرفة بعطرها مختلطاً برائحة العطر، الذي اشتريته لهدهد.. فانتشيت..‏

تمددت على الأرض بمواجهة القبلة الشريفة. رحت أتلو الشهادتين.. وأسترجع ما حصل.. تذكرت كل شيء.. تداعت الصور القديمة أمام عيني جلية واضحة، وبدون رتوش، مرقت أمامي بسرعة عجيبة وكأنها تحدث تواً!‏

وفجأة انقطع الشريط.. وتفرق سرب الحمام.. حلق فزعاً.. وظهرت صورة أمي وبشيرة وهما ترقصان تتصدران مسيرة الفرح!.‏

منذ سبعة شهور وأنا أعيش في كابوس.. كابرت كثيراً.. وكتمت سري خلالها، حتى لا أؤذي أمي وأجرح قلبها.. لكن إرادة الله.. لا مفر منها.. كابرت وقاومت حتى لا يكون مرضي حديث الجاد والساخر.. وحتى لا أصبح مجالاً للشفقة، تشق على الناس رؤيتي معذباً..‏

أدركت الختام وعرفت مصيري.. فحمدت اللّه، فسأموت وأنا مرتاح.. أمنت مستقبل أمي وزوجتي.. وولدي القادم.. سيدر عليهم الدكان ربحاً دائماً إضافة إلى إيجار المخزن وإيراد الأرض ما يكفيهم طوال العمر..‏

هدهد.. حبيبتي.. ستفتح عينيها على الطريق الجديد.. سترى النور قريباً.. كما أكد لي عيسى الذي تعهد بمتابعة علاجها.. وسيسافر مع عم مصطفى إلى بغداد لأجل إجراء العملية بعد عشرة أيام فقط من ولادتها.. بعد أن تم تحديد الموعد قبل أسبوع.‏


  اقتباس المشاركة