رد: العصفور والريح
ارتعبت.. وأظلم الكون في عينيّ ورأيت كل ما أمامي من حاجات تطفو! فهرولت عائداً إلى غرفتي.. وهناك، تراءت لي أشباح مترنحة وتموجات سوداء عنيفة لا حدود لها.. ونجوم ملونة.
رميت جسدي على السرير مستسلماً لليأس الكامل. وحاول المرضى الثلاثة الذين يشاركوني المكان معرفة ما بي. فلم أفتح فمي بكلمة.. وكدت أموت من شدة الرعب ليس إلا..
وتدريجياً أيقنت بعدم جدوى ما أفعله.. فالموت حق ولابد أن أتقبل الأمر برحابة صدر، وأواجه الأيام بالصمود.
وأحسست بالتحسن عندما أطفئت الأنوار، وغرقت في أحلام اليقظة. وعلى الرغم من أن عدة همسات مخنوقة وضحكات متقطعة خرقت السكون المطبق عدة مرات، إلا أني توصلت إلى إغفاءة متعثرة..
ولثلاثة أيام بقيت ممدداً على السرير، دون حراك.. رافضاً تناول الدواء.. بقيت لعدم استطاعتي الخروج.. وانهمكت في رسم المشاريع ووضع الخطط.. أخطط لما يجب فعله قبل أن يجرفني تيار الموت.. أفكر بما أستطيع تقديمه لأمي وقريتي..
في فجر اليوم الرابع وجدت في نفسي القدرة على الحركة. فتركت المستشفى.. هربت.. إلى الموصل!
ذهبت إلى إلهام كملجأ أخير استقوي بدفئها وحنانها، على مغالبة ما بي. إلا أن أباها، الذي فتح لي الباب، طعنني بخنجر سام دون أن يدري.. فزادني مقتلاً:
قال بفرح:
-السيدة إلهام سافرت أمس إلى البصرة، مع ابن خالها المهندس رشدي، لقضاء شهر العسل..
سدت الأبواب في وجهي.. وما كان أمامي إلا العودة إلى القرية.. ووصلت أربيل ولم يكن في جيبي فلس واحد. لم يبق لديّ ما يكفي ليوصلني إلى أمي.. فارتأيت أن أقصد خالتي مريم لأستدين منها.
لم أفكر بحل آخر.. تحجر عقلي لحظتها ومضيت لأستدين منها درهمين لاغير!
لم أجد أحداً في بيت خالتي.. طرقت الباب مرات.. وحين لم أسمع رداً عبرت السور.. وكسرت النافدة المطلة على الصالة.. تماماً كما فعلت مع.. المرحوم مجيد..
تذكرت المجرم المجنون إسماعيل.. قارنته بالجمولي.. فوجدت تشابهاً كبيراً، دفعني لاقتحام غرفة زوج خالتي الخاصة.
خلعت باب دولابه بحثاً عن درهمين، فوقعت مفاتيحه بين يدي! مصادفة غريبة أفرحتني إلى درجة أنستني نفسي.. وحفزتني على الإقدام بما لم يخطر على بالي أبداً.. من قبل..!
استعنت بالمفاتيح على فتح خزانة الجمولي ومكتبته. وأخرجت الأوراق الهامة.. أخذت منها ما يفيد.. تلك التي تخص سعدو والسلماني، وصكوك ومستندات على المختار وأمي ونصار والحاج صالح فقط! ثم أخذت الملف الأحمر.. فقرأت به عقد قران السلماني.. عنوانه الجديد.. اسم زوجته وأسماء الشهود.. وأوراقاً عديدة ومستندات.. لم يتسن لي قراءتها أنذاك..)).
|