رد: العصفور والريح
29 -
(( بعد ساعة كنت في المعسكر. رجعت دون إرادة مني، بأمل الراحة وإذا بالقيامة تلهبني بنيرانها المستعرة!
تلك الليلة، لم أنم لحظة واحدة.. ليس بسبب تأثري الكبير وحزني على مقتل صديقي مجيد. خنقاً بيديّ العريف إسماعيل، الهارب.. وليس بسبب الخوف من كلمات العميد المتقاعد رأفت.. بل بسبب شراب الزبيب.. وما دس لي فيه!
في البدء أحسست بخدر يسري في عروقي. وتنملت أطرافي دفعة واحدة! ثم شعرت بمغص حاد وآلام فظيعة، وبأن رأسي سينفجر من الألم..
وبدأت مرحلة الإنهيار. ترافقت أعراضي المعوية مع أعراض عصبية شديدة! إذ دارت الدنيا في رأسي ودهمني صداع.. وتوترت أعصابي..!
رحت أتخبط، أصرخ! يساورني الغثيان ويلح عليّ القيء فوراً! أتقيأ وأتقيأ حتى خيل إليّ أن أمعائي سيتندلق! وأصابني الاسهال، وأعتقدت أن مصاريني ستنفجر!.
وجفّ حلقي وبلعومي، وتيبست شفتاي! أخذت أبلع ريقي بصعوبة.. ونتيجة للظمأ الشديد الذي حل بي لم أكف عن شرب الماء البارد.. أشرب وأشرب لأطفىء ألسنة اللهب المتأججة في قلبي.. لكن دون فائدة!.
فبدل أن أرتوي، ويهدأ ما في داخلي، ازدادت آلامي وكثر صراخي! فازدحم الجنود عند رأسي، يبكون مجيد القتيل، ويتفرجون على حالي ويعجبون!.
جاءني الضابط المناوب.. يسأل عن حالي ويستفسر عن سبب ما بي.. ولم أقو على الإجابة.. جحظت عيناي أمامه، وتجمدت أعضائي بوجوده.. ثم اضطربت أنفاسي.. وفقدت الإحساس والشعور.. وغبت عن الوعي!.
نقلوني وأنا بين الحياة والموت. وحين فتحت عينيّ رحت أجول بهما الآفاق، فلا يصطدم بصري إلا بجدار غرفة الإنعاش في المستشفى العسكري..!
غسلوا معدتي، وأفرغوا محتوياتها.. ولشك قاتل راود الطبيب أجروا لي كشفاً سريعاً، بأشعة أكس للبطن.. فتأكد له بصورة تامة بأني سقيت بالثاليوم.. "لأنه مادة معتمة للأشعة"!.
ولم يتأخر الطبيب. شرع على الفور في المعالجة السريعة. "هادفاً المحافظة على الوظائف الحيوية، ولتسهيل إزالة السم القاتل من الأنسجة، بالمساعدة على إفرازه مع الإدرار والبراز".
وقبل كل شيء حقنوني "بأزرق بروسيان برلين" و"كلوريد البوتاسيوم". "لوقف التدهور الحاصل، وتلافي حدوث الامساك وشلل الأمعاء وسقوط الشعر، وجزر في غدة البنكرياس والغدد اللعابية، والتهاب المعدة والاثنا عشري، وفقدان السيطرة التامة، وبروز حركات لا شعورية وحالات من الكآبة والعصاب، وانخفاض ضغط الدم وعجز التنفس، وقبل أن يكون تلف الأعصاب حالة دائمة..".
ونصح الطبيب بحلق شعر رأسي قبل تساقطه. للحفاظ عليه، ولتسريع نموه مجدداً بصورة أكثر خصوبة، وأوفر ثماراً.
ولأن أزرق برلين يكون أقل تأثيراً في المرضى خاملي حركة الأمعاء، كنت أجبر على تناول أغذية خاصة، والقيام بتمارين حركية. كجزء من العلاج الطبيعي، الضروري لمنع انقباض العضلات وتسريع قوتها.. مثلما أجبر على تجرع "المانيتول" لمنع حدوث شلل الأمعاء.. وإضافة إلى التوعية الصحية لتقوية إرادتي، وزيادة ثقتي بالأطباء والإيمان بالشفاء على أيديهم، لم يتوقف الفحص السريري اليومي والمختبري، طوال أسبوعين..
كانت أظافري تفحص بدقة! ثم تؤخذ عينات من البول والدم "لفحص كمية اليوريا والشوارد، الأيونات والكرياتنين، وقياس التخثر ونسبة الثاليوم في الدم. والتأكد من وظائف الكبد بفحص الزلال والسكرين وخشياة وجود البروتين والدم في البول.. وكذلك كان يجري بصورة منتظمة، الفحص الدقيق بجهاز تخطيط القلب بالأمواج فوق الصوتية، وأشعة أكس للصدر، وقياس ضربات القلب وضغط الدم عند الوقوف والاضطجاع".
وتولى أخصائيون العناية بحالتي العصبية، بمساعدة مقياس "سعة النظر، وجهاز تخطيط العضلات الكهربائي، وفحص السمع..".
-مبروك أيها العزيز.. ألف مبروك.. شفيت بفضل اللّه القدير..
-وبجهودك العظيمة أيها الطبيب..
قلت للطبيب بفرح وامتنان فربت على كتفي وقال:
-قوتك... قوة عضلاتك وجسدك الفتي، ساعدتنا كثيراً.. هيّا حضر حالك.. ستخرج غداً..
-غداً!!
-نعم.. أخرتك ليومين.. كنت أريد أن أغسل دمك. لكن الفحوصات دلت على عدم وجود عجز كلوي.. فانتفت الحاجة للغسيل.. والحمد لله وحده.. قاتلك مجرم ذكي.. استعمل "الثاليوم" عديم اللون والطعم والرائحة.. وهو أحد المعادن السامة.. أملاحه تستخدم كأحد المكونات الفعالة للكيمياويات القاتلة للحشرات والقوارض "وملح الثاليوم سلفيت" قاتل للإنسان بجرعة 1 غرام-وبسبب تشابه جزئياته مع البوتاسيوم، يمكن أن يخترق غشاء الخلايا كبديل عنه. وبذا يعرقل عملية أكسدة الفسفور. وتتجمع أيوناته القاتلة في الأنسجة، التي تتواجد فيها كميات كبيرة من البوتاسيوم، مثل الأعصاب وعضلات القلب والأنسجة..
لم أفهم كلمة مما قال. فالسعادة بتحسن حالتي غمرتني. ودفعتني إلى أحضان أمي.
|