رد: العصفور والريح
ملأت كأسه وتحركت ببطء.. يلفني الذعر ويعتريني الخوف الأكبر منه..
دخلت المطبخ، فبرزت لي صورة إلهام، وهي تمازحني هنا.. وتقبلني هناك.. تنصحني بالخروج.. وتحذرني.! ثم برز وجه العريف بشاربيه وعينيه الكبيرتين.. تخيلته يدخل غرفته.. يباغت بالفاجعة.. فيجن!
بحثت عن قدح نظيف فلم أجد. اضطررت إلى غسل قدح زجاجي، وجدته في الحوض الملىء بالصحون.. غسلته جيداً، خشية أن يكون نجساً، شرب به العميد خمراً..
عدت إلى الصالة بعد أكثر من دقيقة..
رأيت العميد المتقاعد يخض قنينة شراب الزبيب خضاً! يرجها بسرعة، بحركات ملتوية، عنيفة..!
-هذا شراب أصلي.. مركز.. ركدت زبدته تحت، في القاع.. هات قدحك.. هات..
جلست، وأنا أرتعش.. وضعت قدحي فملأه لي حتى الحافة! لم أجد جواز السفر في مكانه! ولم أهتم لاختفائه!
-اشرب.. اشرب..
صاح وهو يرفع كأسه المملوء بشراب الزبيب..
شربت.. تجرعت جرعة فحثني على إكماله:
-اشرب.. اشرب..
وحين فعلت صبّ لي، ملأ كأسي ثانية وسألني:
-أتعرف السياقة يا كاكاحمه؟ سياقة سيارة؟
-لا..
تبدلت لهجته فجأة وقال بحزم وهو يتفحصني من تحت حاجبيه بانتباه:
-مع الأسف.. تصورتك تعرف.. أحتاج لسائق.. وحين قيل لي أنك ستسرح بعد أيام.. فكرت بك.. إني آسف.. تصورتك تنفعني.. هيّا اشرب كأسك.. وامضي..
رفع يده وطوح بها في الفضاء محذراً:
-هيّا.. لا أريد تأخيرك.. قد تعاقب بسببي..
مع السلامة..
بدا واضحاً أنه يطردني، وباحتقار! فعجبت. ومع العجب شعرت بثقل لساني واجتاحني لثوان خدر موجع، وغبش كاد يعمي بصري..!
نظرت إليه برموشي المتغضنة. فرأيته للحظة يحلق في فضاء الغرفة، وكذلك المنضدة التي تفصلنا، بمحتوياتها..!
أحسست بشوكة ألم في رأسي! وأردت التحرك فخانتني قواي! حاولت الاستراحة فمنعني بضراوة:
-أنا مرتبط بموعد هام.. هيّا اذهب بسرعة..
نهضت على ما بي من ألم، تحركت رغماً عني.. والعرق يغزوني..
مددت يدي لأصافحه فلم يعرني بالاً! تشاغل برفع كأسه!
-تبقى على خير سيدي العميد..
-أغلق الباب وراءك..
خاطبني بجفاء. فضج الكون في رأسي..
أحسست بالاختناق.. بالضجر من جو الصالة.. تحاملت على نفسي وهرولت باتجاه الباب..
وحين وجدت نفسي في الشارع تملكني الفرح.. لم أصدق أنني خرجت دون صعوبة.. تنفست الصعداء شعرت بالراحة التامة، ومضيت أتخبّط في الطريق خبط عشواء..!
وصخبت ضحكات العميد في أذني! رحت أسترجع ما حصل، أستذكر كل كلمة قالها لي.. كل كلمة سمعتها منه.
لم أصدق أن سبب دعوته المستغربة هو "حاجته لسائق" وسؤالي عما إذا كنت "أعرف السياقة أم لا" .
لم أصدق، فهو يعرف أني لا أجيدها! ثم من أين له السيارة؟! من أين؟ إنه يكذب.. وكذبته لم ولن تنطلي عليّ!
حدست أنه أرسل بطلبي لسبب آخر.. ربما ليفهمني بمعرفته أسرار علاقتي بإلهام.. زوجته السابقة، ومطلقته الحالية.. ولينذرني من انتقامه المتوقع.. وليحذرني..))
|