رد: العصفور والريح
28 -
((استقبلني العميد المتقاعد رأفت ببشاشة، وترحاب. لم أعهدهما منه! فانشرح صدري. واتسع انشراحي حين لمحت ابتسامة عريضة، ترتسم على شفتيه لأول مرة.. استبشرت وتقدمت بأمل سماع ما يفرح القلب..
أدخلني الصالة فشممت رائحة الهام! ميزت عطرها الفواح! ورأيت صورتها في السقف، على الجدران، وتراقص خيالها في كل مكان! وسمعت صوتها الداوي يرن في فضاء المكان، وضحكاتها الماجنة تتعالى هنا وهناك! قبل أن يخيم الصمت وتنتابني أحاسيس الحيرة، تملأ قلبي بشكل فظيع!
جلست حيث أشار.. تفصلنا منضدة دائرية صغيرة. نصبت عليها قنينة خمر، وبجوارها قنينة شراب أحمر، وكأس مملوء بالزقوم.. السائل المحرم.. وعلى جنب رأيت جواز سفر أخضر!
-أهلاً بالمقاتل الفذ.. أهلاً..
بادرني حال جلوسي..
شعرت بسخريته فلم أبال.. ظننته يمازحني دون قصد لئيم أو نية سوء. ولم أدرك حقيقة ما يعني، لاسيما وإن حالته تدل أنه قضى الليل ساهراً، مفكراً!
كان يجلس مباعداً ما بين ساقيه، بوجه عابس محمر! ولمعت عيناه ببريق عميق، حين تابع بشفتين مرتجفتين:
-أردت رؤيتك منذ فترة، فقيل لي بأمر المنع..
-أخبرني العريف إسماعيل بطلبك، فجئت حسب الموعد.
-أهلاً.. أهلاً.. بالبطل المغوار.. أهلاً بالمواطن الصالح.
تجلت نبرة السخرية في حديثه بوضوح، فعرقت.
-حسب علمي أنك لم تعاقب طوال خدمتك معي.
لم تسجن يوماً! فما الذي جرى لك.. مؤخراً!
آنذاك تبينت خباثته. ظهرت نيته السوداء وأنا أحدق في عينيه المصوبتين إليّ، بلؤم. كعيني الصقر الذي اقتطع لحمة من يدي واقتلعت له عيناً..
فطنت لشكوكه، فهلعت، جفلت، وماتت الكلمات على شفتي. فها هي نظراته تدق أجراس الخطر، تنذر بعاصفة.. فندمت على مجيئي.. وشعرت بالاختناق فككت أزرار عنقي الثلاثة، وفتحت أعلى قميصي ليفلت العرق المتصبب من صدري.. وراودتني فكرة الخروج..
انتظر ردي إلاّ إني التزمت الصمت مرغماً، فتابع دون حياء:
-كنت أتصورك ساذجاً مسكيناً، فإذا بك "أبو العناتر" شيطان ماكر!
هلعت أكثر، وركبني الحياء. وتصبب العرق في جبيني. شعرت بخجل وخوف. وخمنته يتقصد إذلالي، وليتوثق من معلوماته.. في الوقت ذاته..
حدثتني نظراته بأنه على إطلاع تام، ومعرفة جيدة بتفاصيل علاقتي مع إلهام، زوجته السابقة ومطلقته الحالية.
-ترى ما سر تغيرك السريع يا كاكاحمه؟
استفسر بخبث متزايد، وأضاف:
-أعتقد أن السبب يعود إلى المرأة. لابد أن شيطانة خبيثة دخلت حياتك، فسممت بدنك.. بلعنتها..
صمت، فانفجر ضاحكاً.. قهقه بصوت عال:
تجرع كأسه ورمقني بنظرة صارمة:
خفت أكثر.. وساورني الهلع من فكرة طرأت ببالي. مفادها، إنه يلوم نفسه.. فلقد وضع البنزين قرب النار.. لذلك أرسل بطلبي لينتقم.. فكرت ثانية بالخروج. لكني سخرت من نفسي وأبديت استعدادي للقيام بكل ما يلزم "مقاومة عنيفة ودفاع مستميت"
-يقولون إن امرأة شابة، مستهترة، تأتيك بسيارتها إلى المعسكر كل يوم! مساء كل يوم وتعيدك في الصباح! أليس كذلك يا كاكاحمه؟
تلعثمت، لم أحر جواباً. تطلعت إليه لأستشف من عينيه ما طمحت في معرفته..
تغصد العرق بغزارة فوق جبيني. وفاحت رائحة إلهام وانتشر عطرها، وتوزعت صورها بكثافة، امتلأت بها جدران الصالة، اختلطت مع صور مارلين مونرو!
-أتفضل كأساً من شراب الزبيب أم من البراندي المنعش، اللذيذ؟
سألني فجأة، بجد ومرح. فهمست:
-الزبيب..
-إذن خذ قدحاً نظيفاً من الصينية، وصب لي كأساً..
أشار إلي فتلفت، ظناً أن الصينية موضوعة جانباً، فانفجر ضاحكاً.. قهقه عالياً.. وهمهم:
-في المطبخ.. الصينية والأقداح في المطبخ.. يا كاكاحمه..
حاولت النهوض فاستوقفني:
-أملأ كأسي أولاً بشراب الزبيب.. وأجلب لك قدحاً نظيفاً..
|