Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - العصفور والريح
الموضوع: العصفور والريح
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-14-2009, 12:43 PM   #146
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

كان لصوتها نبرة حيرى ورجاء وانتظرت عيناها مني جواباً مفرحاً: لكني خيبت ظنها بجوابي المقتضب:‏

-لا..‏

ضغطت على دواسة البنزين. فاندفعت السيارة بسرعة:‏

-إنها مشكلة بالنسبة إليك.. أليس كذلك؟‏

-قلت لي: إنك تجيد تربية الكواسر..‏

استفسرت على حين غرة.. أحسست بالانتعاش.‏

فقلت:‏

-كانت هواية قديمة.. كقدم بطولاتي الرياضية..‏

-يمكن أن نستفيد من ذلك.. نفتح محلاً لبيع الطيور.. المحنطة..‏

تحمست لاقتراحها، فاقترحت بدوري..‏

-أو محلاً للزهور.‏

-أو محلاً واحداً لهما معاً.. كم بقي لك في الخدمة؟‏

-شهران.. ألديك حلاً لي.. مستعد أنا لأي عمل..‏

-لا تهتم. سندبر الأمر.. صحيح أنه ليس يسيراً لكن الموصل الحدباء لن تبخل علينا بحل..‏

فرحت جداَ وشعرت أن دماً حاراً، بدأ يجري في شراييني..‏

في تلك الليلة سهرنا حتى ساعة متأخرة-كنت مرهقاً إلى الحد الذي فكرت بأنه سيجعلني أنهار على السرير وأغفو في الحال، لكن رشدي استطاع رغم بعده أن يقض مضجعي.. خفت أن يؤثر بماله ومهنته على إلهام.. ثم غلبني النعاس مما تسبب في تأخري عن الوصول إلى المعسكر لأكثر من ساعتين.. ولأني لم أجد متسعاً من الوقت لأحلق ذقني، اعتبرت ذلك علامة شؤم.. وعندما نزلت من السيارة تولد لديّ انطباع بأن أمري افتضح. وبأن المشاكل بدأت..!‏

وحدست، وأنا أقترب من بوابة المعكسر، وبشكل مضطرب إن ثمة شيئاً كبيراً وخطيراً، سيحدث لي..!‏

لم أواجه صعوبة في الدخول من البوابة الرئيسية، ولا إلى المهجع. الصعوبة كمنت في كيفية التخلص من الورطة!‏

وجدت أخباراً سيئة بانتظاري. لم يتح لي الوقت الكافي لسماعها كاملة من أفواه الجنود.. أدركتها من نظراتهم.. وقرأتها في عيونهم.. إذ استدعيت إلى غرفة الضابط المناوب بعد دقائق من وصولي قادني "أبو الحق" شامتاً فرحاً.‏

-أين كنت؟‏

-شيء لا يهمك..‏

-ستقر بالحسنى وإلاّ سأجعلك تتكلم بطريقتي..‏

-إذا لمستني سأجعلك تندم طوال عمرك..‏

هددته فراح يرطن ويحاور نفسه بألفاظ مبهمة.. أدركت إنني واقع في ورطة كبيرة.. لم أعرف كيف أتخلص منها تمنيت أن يمر كل شيء بسلام، يسير دون عقبات.. وفكرت بمجيد.. علّه يجد لي الحل وينقذني..‏

-أين مجيد؟‏

-في جهنم الحمراء..‏

-لِمَ يا عريفي! مجيد يحبك..‏

-أحبته حيّة أم رأسين..‏

هتف ساخطاً وهو يدفعني دفعاً. أدركت فشلي في إيجاد الحل.. ورحت أتطلع إلى شاربي العريف وهو يسير بمحاذاتي.. كان وقع جزمته العسكرية المخصصة للتدريب، يسمع بوضوح. وصرير أسنانه بنبىء بجوعه.. توقعت الشر.. فخفت حقاً..‏

وعلى غير توقع، توقف.. ومد يده على صدري فأوقفني واستفهم بلطف لا يتناسب مع هيئته الغاضبة:‏

-أين قرأت؟ في أية مجلة، إن صورة الراحلة مارلين مونروا حملها أول طابع أمريكي، لوجه شخصية غير سياسية..!‏

-لا أدري..‏

أجبته باقتضاب فأغتاظ.. وكأنه أدرك إن لا طائل من محاولته، زمجر بوجهي كذئب جريح:‏

-أنت كلب مثل صاحبك.. لن تختلف عنه بشيء.. وحق السماوات..‏

ودفعني بقوة إلى الأمام..‏

وعندما وصلنا غرفة الضابط، وضع العريف يده على ظهري وفح:‏

-ادخل..‏

دخلت وأنا أرتعد فزعاً، خشية من الفضيحة.. وليس من العقاب..‏

حقق الضابط معي بشأن تغيبي الليلي، فأختلقت عذراً مقبولاً.. فأمر بسجني عشرة أيام مع حلق شعر رأسي "نمرة صفر".‏

في السجن كان مجيد الذي سبقني إلى الدخول ينتظرني بلهفة! وجدته يرقد منهكاً، بسرواله الخاكي وفانيلة قطنية لا لون لها، يضع منشفته على كتفه كأنه يتدثر بها. متكوماً في زاوية ضيقة على المصطبة الإسمنتية، بوجه أصفر شوهه الأرق وبذقن غير حليقة!‏

كانت الكآبة تبدو عليه بوضوح، جفونه متورمة وعيناه حمراوين لعدم النوم!‏

شممت رائحة النتانة والعفونة تنبعث من الزوايا! مع رائحة وخمة كثيفة، إضافة إلى الرطوبة الخانقة، فذعرت..!‏

فتح عينيه ليتأمل القادم. وحين تأكد، فتح ذراعيه بوهن واستقبلني بالأحضان وهو في مكانه:‏

-أهلاً بك أيها الحبيب.. أهلاً.. اعذرني لا أستطيع النهوض..‏

-ماذا بك؟‏

-جسمي متورم.. لا يتحرك بي أي عضو..‏

-ماذا حدث؟ ما الذي جاء بك إلى هنا..؟‏

أدركت ما ألم به إذا لم يكن قادراً على التركيز. ومع ذلك علق بمزاج رائق هو يفرك صلعتي ساخراً:‏

-بينما كنت أنت منهمكاً في تحسين النسل، كنت أتلقى خيزران اللئيم ابن اللئيم.. عريفي "أبو الحق".. لقد وشى بنا وعذبني بيديه!‏

سيطرت عليّ علائم الدهشة. فسألته:‏

-لماذا؟‏

-لماذا!! بسببك.. وشى بنا العريف النذل.. فقام الضابط بتفتيش ليلي مفاجىء.. داهموا المهجع بهجوم صاعق فكبسونا.. اكتشفوا غيابك.. برفع الوسائد التي كانت تنام محلك.. جروني من أذني جراً، لتستري على فضائحك أيها الكاكا الحموي..‏

قدرت الجهد الذي بذله في سبيل راحتي. فعبرت له عن عميق أسفي وندمي. فرفض بنكران ذات أن يحملني المسؤولية كاملة.‏

-القضية لا تتعلق بك بالذات.. استغل حادثتك للانتقام مني، لأني قلت له "صوفيا لورين" أجمل مع معبودتك.. أخطأت وما كان عليّ أن أفعل ذلك.. لأني أعرفه حق المعرفة.. ها هو ينتقم بتجويعي ولكني سأجتهد لأقهر الاحساس بالجوع.. وثق بالله بأني سأرد له الصاع صاعين.. حتى وأن تأخرت خدمتي سنة أخرى.. لن أسكت والله شاهد.. سأنتقم من هذا النكرة اسماعيل شر انتقام..‏

-ماذا ستفعل؟‏

-لن أتعب في التفكير.. لن أكرس وقتي في البحث عن طريقة.. ليس أمامي إلا حرق قلبه.. وسترى..‏

ظل يتحدث ويتحدث متدثراً بمنشفته.. وبعدها استكان في غيبوبة يرافقها أنين خافت..‏

عشرة أيام عشتها مع مجيد، كأحلى ما يمكن.. قصّ عليّ قصصاً لا تصدق! وحكى عدة حكايات، أحداث غريبة ومغامرات عجيبة لا مثيل لها! استمتعت بها وحلقت معها في الأعالي.. وانقضى الوقت سريعاً. فنسيتها بالمرة.. لكن مجيداً لم ينس شيئاً.. بقي الألم ينخر قلبه.. وظل جزعاً وهائج الأنفاس لم يهدأ لحظة.. وخفت عليه أكثر من خوفي على العريف مونرو..‏

-ولسوف ترى.. ما أفعله بأبي الحق..‏

قال لي ونحن نفترق، كل إلى مهجعه إذ فرقونا بعد إطلاق سراحنا.. وحرموا علينا الاجازات، ومنعونا من مغادرة المعسكر لمدة شهر..)).‏


  اقتباس المشاركة