رد: العصفور والريح
للمرة الثانية يثيرني العطر الفواح ويشدني، لكني أتجاهله وأمضي في جولتي.
تأملت فناء البيت من خلال خصاص النافذة المفتوحة قليلاً. فلم أر سوى أحجار وأخشاب مكدسة!
تجولت في الأرجاء، كان بيتاً جميلاً بست غرف وصالة رئيسية، احتوت على منضدة كبيرة وكراسي عديدة. وغطيت النوافذ بستائر ملونة، تدلت إلى الأرض، التي فُرش جزء منها بسجادة قديمة وبوفيه خشبية، ضمت رفوفها الأربعة أنواعاً من الزجاجيات والفرفوري، والخزف الصيني الجميل، وأصنافاً من الصحون والكؤوس والطاسات والأكواب، وتماثيل ملونة من الجبس.
عدت إلى الغرفة.. فوجدت إلهام تجلس محلولة الشعر، مكشوفة الصدر. تستند بمرفقيها إلى وسادة. وتركز بصرها على السقف.. ثم أخذت تراقبني بنظرة وديعة، وأنا أدخل متثائباً، أحمل همومي.
جلسنا نتحدث، ونسينا حساب الزمن! سرقنا الوقت بغباء! لم ننتبه إلا والساعة تعلن الثامنة! حل المساء دون مقدمات مما أرعبني. إذ لا يسمح لنا بدخول المعسكر بعد هذه الساعة، وإلا تعرضنا لسجن أسبوع!
أبديت خوفي لإلهام فضحكت وهي ممدة على سريرها.. وأكدت:
-مشكلة بسيطة.. لا تهتم.
وعندئذ تذكرت صديقي مجيد، وتعهده بالتستر على غيابي وداخلني الفرح. وزاد فرحي ثقة إلهام بنفسها.
انتهت إلى تبسيط الحل وهي تقرص أنفي:
-لا تخشى.. سأوصلك إلى بوابة المعسكر قبل السادسة صباحاً.. وضعت تأخرك في الاعتبار.. فلا تشغل بالك. هيّا.. أطفىء النور..
استمر الحال عشرة أيام بالتمام.
كانت تنتظرني عند البوابة في الثالثة ظهراً، وتعيدني صباحاً، فأتسلل بخفة وحذر إلى المهجع، قبل نصف ساعة تقريباً من أمر النهوض الصباحي. وبمساعدة مجيد، الذي بات مطلعاً بالكامل على مغامراتي. إذ شرحت له كل شيء بعد اليوم الأول.. ولحظتها انطلق في ضحكة مجلجلة وقال:
-أصبحت مهماً يا كاكاحمه، لذا وجبت مساعدتك وما دمت تقاتل الشيطان وتنتقم منه فأساندك وأحميك وأدافع عنك بأظافري وأسناني.. هذا اللئيم ورّط أبانا آدم فأخرجنا من الجنة.. وجعلنا نقابل عريفي "أبو الحق" خذ ثأرك ولا تبال..
-ما أخبار عريفك مونرو؟
-كلب ابن مليون كلب. بت أتحاشاه أتجنب شره.. فمثله لا أمان له.. أريد أن تنقضي الشهور الثلاثة المتبقية من خدمتي بخير ودون مشاكل.. ما عدت أطيق البقاء هنا.. ما عدت!
ظلت كلمات مجيد تدوي في أذنيّ.. حتى حل محلها سؤال إلهام. ونحن داخل السيارة في طريقنا إلى البيت.
-أتتزوجني يا كاكاحمه؟
بوغتّ بابتهجت:
-يا ريت.. لكن، ألسنا زوجين يا إلهام؟! ماذا ينقصنا؟
تفحصتني باهتمام جاد وردت حال توقفها المفاجىء:
-لا.. الفرق واضح وكبير.
ثم تلوت متأوهة، اعترفت وهي تغطي عينيها بيديها خجلاً:
-نحن زناه.. الرعب يتملكنا..
-صحيح.. كأننا نرتكب جريمة..
رفعت يديها وسخرت:
-كأننا!! أنت مضحك يا كاكاحمه.. وأنا أحبك من كل قلبي.. أريد أن أعيش معك طوال عمري في الحلال..
-أنا طوع أمرك يا إلهام..
-إنها فرصتنا.. وأخشى أن تضيع من بين أيدينا.. بالأمس جاءني خالي خاطباً.. يريد تزويجي لابنه الخبيث، المهندس رشدي.. قدم لي عرضاً لا مثيل له..
-يجب أن تعلمي بأني لا أملك شيئاً أقدمه لك..
سكتت تستوعب قولي. وقالت كمن عانت من أزمة عابرة:
-ماذا كنت تعمل قبل الخدمة الالزامية؟
خمنت ما دار في رأسها فدمدمت:
-فلاحاً مرة، وعاطلاً مرات.
-ألا تملك أرضاً، بيتاً؟
هززت رأسي نافياً. ثم أضفت:
-كانت.. غدر بنا الأغا وزوج خالتي.. والآن لا أملك شيئاً.. راتبي القليل أقدمه لأمي الأرملة..
استمعت إلهام إلى حديثي وهي حائرة. وتساءلت بعد لحظات من التفكير:
-ألاتجيد عملاً ما؟ مهنة تعتاش عليها؟
|