رد: العصفور والريح
أبدت استغرابها وهي تفرك رموشها بظاهر أصابع يدها اليمنى. فلمحت أظافرها الطويلة تلمع من شدة الطلاء الأحمر، الفاقع.
عضت شفتيها، ابتسمت ابتسامة غامضة وهي تسأل:
-الخوف!! ممن؟
-خفت أن يراني العميد أو يسمع بي..
-يراك! أو يسمع بك! وما دخل هذا الحيوان بنا؟
سكتت لحظة، حركت يدها بتلوع وراحت تتأمل أظافرها. فخفق قلبي خوفاً، كدت أصرخ بها "انتبهي إلى الطريق" فسبقتني.. أعلنت بفرح:
-انفصلنا منذ أسبوع.. أرسل لي ورقة الطلاق.
-إذن أصبحت حرة.. ألف مبروك..
-لذا سأقودك.. سآخذك إلى بيتي..
-لماذا؟
-لأنك حبيبي.. وخلال مدة افتراقنا.. لم تعرف جفوني النوم.. وأنت ألم تفكر بي؟
أضحكني سؤالها. صارحتها:
-لم أنم لحظة واحدة. كنت خائفاً عليك، ومتألماً لما أصابك.
-أتحبني يا كاكاحمه إلى هذا الحد؟
-وأكثر..
هزت رأسها بحركة دلال وتأوهت:
-يا حبيبي!!
لم أنتبه إلى معالم الدرب بشكل واضح! ولا أدري إلى أين قادتني.. أخذتني! ولا أعرف أي طريق سلكت! ومن أي شارع مرت! انتهبت إلى وقوف السيارة أمام قصر بطابقين..
وفي حدود الرابعة كنا في غرفتها المعطرة.
جلست على حافة السرير، وراحت هي تغير ملابسها.. أثار العطر الفواح جواً من النشاط في جسدي. وزاد نشاطي حين قبلتني من جبيني، وأنفي.. وهمست في أذني بغنج:
-شوه النذل حياتي وامتص نضارتي.. ولولاك لهلكت.
أحسست بحرارة جسدها وسمعت دقات قلبها، حين ارتمت جنبي وأنا لم أزل بملابسي! بقيت بلا حراك ونحن على عرض السرير.
لم أنس أن لها جسداً يمور عافية ورغبة. لذا لم أدهش لنيرانها المتأججة.
وبعد ساعتين.. أحسست للمرة الأولى منذ تعارفنا، براحة أداء الواجب لامرأة مستضعفة!
وإذ لاح المغرب نهضنا لنأكل. مما أعدته بنفسها مسبقاً. سندويشات باللحم المفروم والبيض.
ونحن على المائدة رنّ جرس الهاتف.. لم تشأ رفع السماعة.. لكني أجبرتها على الرد.
بان لي وهي تجلس قرب منضدة الهاتف، دقة ملامحها وجمال وجهها.. ومكنني من رؤية حاجبيها الخيطيين، وابطيها الحليقين..
كان أخوها على الطرف الثاني، يسأل عن سيارته. فسألته بدورها عن طفليها. فأخبرها بأنهما يتفرجان علىالتلفزيون.. وأنهما لم يسألا عنها!
-كنت أشغل نفسي-أثناء غيابك عني-أقضي ساعات فراغي برؤية أفلام الفيديو.. وأنت؟
-كل وقتي قضيته مع مجيد، إنني أعتبره معلمي وأخي.
أكلنا وشبعنا وتحدثنا، ثم عدنا إلى الفراش.
كنت أشبه بالحصان الجامح ومع ذلك شعرت بالانهاك! أحسست وأصابعي تتحرك على ظهرها الأملس، الناعم، بالتعب والارهاق.. وخيل إلي أنني أشبه بحصان هرم، ركض مسافة شاسعة، دون توقف!
جففت عرقي وسترت جسدي وتمددت لأسترد عافيتي، واسترجع أنفاسي.. فسخرت مني!
رأيتها تسحب من الدرج القريب علبة سجائر، تستل منها واحدة، تدعكها بين راحتيها قبل أن تشعلها.
وراحت تتأمل لهب عود الثقاب.. ثم أمالت رأسها إلى الخلف، واستمرت بتأمل حلقات الدخان وهي تتصاعد برتابة وخفة..
راقبتها بتأن فأيقنت مدى معاناتها.. وارتأيت تركها تنفث همومها وترتاح.
نزلت من السرير فأخذت تضحك، تمازحني.. تسخر مني وعليّ..
رحت أتفرج على غرفتها الواسعة، التي احتوت إضافة إلى السرير العريض، خزانة بأربعة أبواب، وميز تواليت رص سطحه بأنواع كثيرة ومختلفة من قناني العطور، وعلب الماكياج والزينة، بأحجام متنوعة.. ومشجب ملابس مع دولابين صغيرين.
|