رد: العصفور والريح
وأين أبوك؟
-في البيت، أرسلني إلى المقهى فلم أجدك.
-ماذا كان يفعل سعدو عندك؟
سألت عمي فجأة فرد باقتضاب:
-مسكين، أموره صعبة مع زهرة.
سكت ولم أكن بحاجة لمزيد وعدت بزيارته ليلاً والاتفاق معه، وودعته.
مضيت إلى دار عم مصطفى، يلاحقني عرفان ككلب صغير..
وجدت هدهد تتمدد قرب الخالة أمينة، المنهكمة في خياطة كيس صغير من الكتان.. بينما كان العم مصطفى يحلق ذقنه باهتمام، كأنه يستعد لمقابلة شخص هام:
-ما هذا يا أمي؟
سألها عرفان فردت بينما تهت في دوامة سهو:
-سيضع فيه أبوك نقوده..
لم أفهم.. ولم أشأ سؤالها عما تعنيه.. فأردفتْ تشرح لي:
-سينزل عمك غداً إلى المدينة، ليشتري لنا ثلاث بقرات. ولأن المدينة تغص بالسراق، فالاحتياط واجب..
-جيد.
قلت وأنا ساهٍ، فاستدركت:
-إنها فكرتي.. سيشده على بطنه بالحزام..
-حسناً تفعلين يا خالة أمينة.. حسناً تفعلين.
وأنت يا عمي، ضع في بالك أن البقرات تحتاج لعناية مركزة وجهد كبير.
-لهذا فكرنا بهداية.
أفصحت الأم عن نيتها، وغمرت وجهها تعابير رجاء.. تنبهت إلى المعنى فامتعضت. لم أشأ التسرع، أحببت التأكد.
-هدهد!!
سألتها فأردفت بابتسامة حزينة:
-أردنا أن نسألك معروفاً.
أحسست أن يأساً خفيفاً يهز كياني وانتظرت بقية حديثها لمعرفة ما تريده بالضبط:
-اسمح لها بأن تعيننا..
لم أدعها تكمل. وكأن مساً من الجنون أصابني، قلت بصوت يكاد يكون صراخاً:
-مستحيل.. لن أسمح لها بالتأكيد.. زوجتي حامل..
ألا تعرفان ذلك..؟
-إنها ابنتنا.. ومن حقنا عليها..
تدخل مصطفى ونهرته والعجب يلفني:
-يا حيف عليك.. وألف حيف..
-كلام غضبك!! هداية ليست فتاة عادية..
إنها خير من تجيد الحلب.. ولا ضرر عليها أبداً، أو خوف.
-لا.. يا عمي.. لا.. أمامها عملية قريبة.. ألم تخبركم بها؟
استخف على غير العادة. هز يديه وقال:
-علام.. مجرد كلام.. نحن بحاجتها..
لم أصدق.. لم أكن أنتظر من عم مصطفى ما سمعت، أفهمته بحدة وعيناي تراقبان أمينة وهي تلقي الكيس جانباً، بانفعال:
-انزعا هذه الفكرة من رأسيكما.. ابحثا عن شخص آخر..
عرفان خير من يقوم بالمهمة..
شهقت هدهد، وضعت كفها على فمها، مخافة أن أسمع تنهدها، وقامت أمها بحركة تنم عن الضجر. وشرعت ترفوا جورباً:
في حين قال مصطفى بخيبة أمل:
-يا كاكاحمه..
لم أستطع السيطرة على القلق، الذي يعتريني، فقاطعته متنرفزاً فاقداً صبري:
-كفى.. لا تستغلا طيبتي..
خفت أن يعتريني الغضب فأتهور، لذا فضلت مغادرة البيت دون كلام..
لحقت بي هدهد.. نادت عليّ فرجعت لأقودها.
-أتحبني إلى هذه الدرجة يا بن عمي؟
بدت فرحتها عارمة. تمعنت في وجهها. تغيرت ملامحها.. سمنت وتوردت لكن عينيها بقيتا مطفأتين!
صممت على الاتفاق مع عيسى.. ليتم بإجراء العملية بأسرع وقت.. قبل أن يأخذ اللّه أمانته!
-هل فعلت ما أمرتك به؟
-بالحرف.. أعطيت المبلغ لأبي.. قلت له: إنها الأموال التي جمعتها.. هدايا العرس.. وكاكاحمه منحني حرية التصرف بها..
-بارك الله بك..
قلت لها وحدثت نفسي..
"مجرد مبلغ بسيط أبدل مزاج مصطفى وزوجته!"
-إلى أين نحن ذاهبان؟ إلى أين تأخذني؟ ليس هذا طريق البيت!
تنبهت. أدركت فطنتها فاعتذرت لها. وعدت إلى الطريق الصحيح:
-اشتقت إلى عمتي.. تركتها قبل الظهر..!
-يا هدهد، غدوت سلوة أمي فلا تدعيها تلهو مع الدجاج.. بعد الآن.
|