رد: العصفور والريح
جئت كوسيط، فاعل خير. وأسأل اللّه أن يمكنني من مساعدتكما..
حاولت مقاطعتي فاسترسلت:
-حسان ابنك الوحيد.. وإذا أخطأ بحقك، فسبحان الذي لا يخطىء.. أنت أمه وهو نادم ويطلب منك السماح والعفو.. والعفو يا حضرة الخانم من شيم الكرام..
بكت الخانم فجأة! مما شجعني على الاستمرار:
-لقد نخره الندم.. ويريد منحه فرصة، ليبدأ من جديد.. يتعهد بعدم تكرار ما فعل.. ماذا تقولين؟
لم تجب.. انخرطت في البكاء الخافت! متخلية عن وقارها المعهود..
وكأنها شعرت بالحرج، شاءت التراجع، البقاء على وقارها والاحتفاظ بهيبتها، لكنها لم تستطع.. راحت تبكي بصمت.. فحدست أن ذلك، وسكوتها إحجامها عن الردّ القاسي هو رضى وموافقة.. فلم أتأخر لحظة، كوّرت يدي كبوق، وناديت من شدة فرحي على ابنها، الذي خمنته واقفاً يتنصت:
-حسان.. حسان..
على الفور انزاح الباب، واندفع الشاب كالريح إلى أحضان أمه.
أخذ يديها، قبّلهما. قبّل قدميها بمحبة وندم..
-أطلب عفوك يا أمي وأنشد رضاك.. رضاك فقط.
قال لها وهو يحتضنها بحنان بالغ.
-مكافأة لأمك يا حسان. أنت مطالب بجلب خادمة لها.
تنبهت الخانم، رفعت رأسها تستبين المقصود. واضطرت إلى إخفاء وجهها، لأن عينيها كانتا تغصان بالدموع.. لكن أذنيها راحتا تصغيان..
-زوجة مخلصة تسعدكما معاً..
استطردت موضحاً، فلم تحتمل كبح تشوقها لمعرفة مغزى كلامي، كفكفت دموعها، استفسرت وفي صوتها ما يزال يرن الوتر الخائف:
-على ماذا تلمح يا كاكاكمه؟
-حسان بحاجة إلى زوجة تكون أهلاً لثقتكما، وتنال رضاكما..
انتفضت الخانم، تساءلت بمكر وإبهامها الأيمن يمسّد حاجبيها:
-هل اتفقتما من وراء ظهري كما اتفقتما على المدرسة؟
-استغفر الله يا أمي.. استغفر اللّه..
لاحظت ارتباك الخانم، رغم أنها لم تقم بأية حركة تشي بذلك.. وتأكدت حين جاملتها:-الأمر يعود إليك يا خانم..
إذ ردت بفزع وإصرار:
-بالطبع.. يعود إليّ..
عندئذ أدركت أن الوقت لا يسمح بطرح اسم "شذى" بنت عمتي.. وأنه ما عاد لبقائي معنى..
استأذنت منهما وخرجت...في الطريق، التقيت المختار كان يحث الخطى باتجاه داره. أوقفته متسائلاً:
-أين الشفل يا مختار؟
-أولاً، الحمد لله على سلامتك يا كاكاحمه.. والشفل سيأتي الأسبوع القادم.. وستأتي بعده المداحل والمزافت..
-ألم يستطع البقاء أكثر؟
-استأجرناه ثلاثة أيام فقط..
-نحتاجه لثلاثة أخرى..
ابتسم، وقال دون أن يتكلف في حركاته أو في نبرة صوته:
-حاضر يا كاكاحمه.. على الرأس والعين.
|