رد: العصفور والريح
34 -
((في عصر اليوم الخامس، جاء العميد رأفت بزيّ مدني.. يحمل حقائبه..!
كنت في الحديقة ألاعب الطفلين، حين دق جرس الباب.
فتحت له بنفسي فرأيته.
صحّت توقعاتي وجاء على غير موعد.
تظاهرت بالبلاهة وأديت التحية العسكرية. حدجني بنظرة باردة، وأزاحني بقبضته ودخل..
هرولت صباح ناحيته مسرورة، مبتهجة، ولحق بها ميسر. فتلقاهما ببرود لا يليق بأب..!
بدا غاضباً، متوتراً، وهو يقودهما ويشير إليّ بنقل حاجاته.
حملتها وعدت إلى الحديقة، أحمد اللّه لأن حذري غلب ظنونه.. فضّلت البقاء في مكاني، ألوب في الأرجاء، بين الأشجار والأزهار.. دون أن أعرف ما الذي يتحتم عليّ فعله.. فهاهو يومي الأخير هنا.. ويجب أن أحسن التصرف ولا أثير شكوكه.. فربما يفرغ شحنات الغضب في رأسي.. بقيت ساعة ثم ما لبثت، دخلت غرفتي وأوصدت الباب.
بعد المغرب تصاعدت حدّة الكلام، وتعالى صراخ الزوجين وزعيقهما! وسمعت أصوات ضرب ومشادة، ثم هزّني نداء استغاثة من قبل الهام!
صدمت وساورتني مخاوف مزعجة، أرهبني صوتها الباكي، وحزّ في قلبي.. وطوال
دقائق ترددت في الاستجابة، وتلبية النداء. ثم اعتراني هاجس الرأفة والعطف، فلم أستطع السيطرة على أعصابي.. اندفعت لنجدتها دون مبالاة بشيء.. حتى بالعميد القاتل..!
ألفيت باب الصالة مغلقاً، والصخب يعم من ورائه. طرقته مرة بهدوء وبشدة مرات.. وحين لم أحصل على نتيجة قررت الدخول عنوة.. حاولت فتح الباب بدفعه بكتفي.. بكل ما آوتيت من قوة.. وكدت أكسره لولاه فتح وأطلّ برأسه، وبعينيه القادحتين!
نظر إليّ بذهول وفح في وجهي:
-ماذا تريد؟
وجدت الشجاعة لأنطق:
-سيدي العميد، ماذا يحدث عندكم؟
-لا شيء..
-أتحتاجون إلى مساعدة؟
-امش.. امش.. لا تتدخل..
جننت وكدت أقتحم الصالة، مسك كتفي بسرعة أبعدني وزعق آمراً:
-ابق في مكانك وإلاّ دفنتك..
أخرسني، فتراجعت مذعوراً بينما تواصل صراخ إلهام وبكاء الصغيرين.
خطوت إلى الوراء فارتشعت.. وندمت.. لخوفي.. لكن، وقبل أن يركبني الشيطان ويدفعني قدماً، حدثني عقلي بضرورة التروي والتحكم بأعصابي.. وعدم التهور.. فالعاطفة لن تنفع..
عدت إلى الحديقة، وظل الهاجس يلاحقني.. هاجس الرأفة، والعطف على الحبيبة، فمضيت إلى غرفتي..
لزمت السرير حتى الصباح، لم أنم تلك الليلة. سهرت مع ما جمعته لأبي الحق من صور ومجلات.. كنت خائفاً وجائعاً.. خائفاً على نفسي وعلى إلهام.. وجائعاً لأني لم أتناول ما يمسك الرمق.. وأنا الذي تعودت أكل وجبتين، والتهام كمية من الفواكة والحلويات، حسب رغبة الهام، لأكون عند حسن ظنها!
غفوت قليلاً لكني أفقت مذعوراً، وخيط من اللعاب يتدلى من فمي.. تحلب لعابي من شدة الجوع وامتلأت غيظاً.. وزاد جو الغرفة الكئيب من غيظي.. وتدريجياً بدأ السأم يدب في أوصالي.. وأضناني الجوع والجو الخانق.. وكدت أختنق وأنا أدفن رأسي في الوسادة محاولاً النوم، ونسيان معاناتي..
بعد الرابعة هدأ البيت واستكان.. ثم عاد الصخب يملأ أذنيّ.. وتخيلت أصوات صياح وبكاء.. وتنصتّ فلم أسمع أي شيء! انتظرت حتى العاشرة صباحاً.. وحين لم يرسل أحداً ما خلفي، فتحت باب الحديقة وتسللت خارجاً.
مضيت سريعاً أبحث عن أقرب بائع. تناولت عنده ما أشبعني.. وعدت لاهثاً أحمل خوفي ونهمي لمعرفة ما استجد. فألتقيت العميد خارجاً:
-أين كنت؟!
-فطرت ورجعت..
-خذ إلهام. أوصلها إلى أهلها وارجع إلى المعسكر.. خذ حاجاتك.. كلها..
راقبته وهو يبتعد. يركب سيارة أجرة ويمضي..
|