رد: العصفور والريح
متى حدث هذا؟ متى؟
هتفت والنار تتأجج في صدري.. فأعلنت:
-أمس، تسلل رجاله ليلاً... مستغلين شعورنا بالأمان... ولولا كلب نصار الجديد لما كشفنا جريمتهم...
-استيقظنا على نباحه، فرأيناهم يفرون لحق بهم نصار وأمسك أحدهم... وأمام المختار اعترف وأقر...
-حمودة هو الذي دفعه لسرقة البقرة...
تدخل عيسى بعد افتخار فأذهلني دار رأسي، حدقت في وجه بشيرة ومضيت... إلى الأرض الشرقية فزاد ذهولّي واستعرت النيران داخلي أكثر شدة... كانت الأنابيب كتلاً مهشمة، تنتشر بشكل فوضوي، والمضخة محطمة... لم أحتمل المنظر، جننت .. غلى مرجلي... خمّنت كل ما حدث، وحزرت، لِمَ منعني الجميع من الخروج...
التقيت في الطريق بيوسف يمشي كالمجنون، وافتخار تهرول خلفه مذعورة، أوقفته لأفهم فصاح وذراعه تلوح بهرواة ..
-ضربوا أخي وأدموه...
صمت لثواني، واستطرد:
-راح يتفاهم معهم فضربوه...
اندفعت إلى دار السلماني، بقوة لا تقاوم وبلا سلاح لأصفي الحساب القديم من حسان ولأنتقم مما حصل أمس، ولحق بي يوسف ورجال آخرون..
خرج حمودة الأعور لاستقبالي، بوجه يتقد نيراناً، وببندقية انكليزية، سريعة الإطلاق، محشوة دائماً..
-قف ولا تتقدم..
زعق بي وشهر سلاحه لإرهابي..
عينه البيضاء ذكرتني بعين الصقر الذي اصطدته ذاتي يوم وحاولت تدريبه بتجويعه، فاقتطع لحمة من يدي... ولم يتركني إلا بعد أن اقتلعت له عيناً...
أسنان حمودة المزمجرة ذكرتني بالثعبان وهو يغرز نابه المسومة في ساقي، ولم يتركني إلاّ وأصابعي تغوص في لحمه الطري...
-قلت لك قف... قف....
نبح ثانية فلم آبه به وتابعت تقدمي،كأني لم أسمعه.
-خطوة واحدة وسأرديك قتيلاً..
-نبح ثالثة ورابعة وكدت أرضخ، أقف وأتراجع لولا "العميد رأفت" برز أمامي فجأة وهو يسقيني الكأس...! فازداد جنوني... وانفجر مرجلي من شدة الغيظ...
تقدمت فتراجع هو.. تخاذل.. فتقدمت أسرع... رأيته يتراجع خطوة... خطوتين... هو يصرخ، يهدد، ينبح:
-قلت لك قف.... سأقتلك... لا تدعني أقتلك... لا تقترب... احذر... سأحشرك في المقبرة....
-أعقل يا حمودة ... لا تركتب جريمة من أجل السلماني... دوى تحذير عمي حسن، وهدرت بعدها صرخة نصار في أذني وأنا أتقدم:
-سنمزقك إرباً إرباً يا حمودة، إن أطلقت...
لم يرتدع حمودة، وفي خطوة يائسة لإرهابي، دفعته حماقته لأن يرفع بندقيته ويطلق على السقف!
هرب الرجال وخيم الرعب من حصول مالا يحتمل... حتى حمودة أفزعته الإطلاقة أكثر من أي شخص آخر.. وبدل أن يدب الذعر في قلبي كما أعتقد وبدل أن أهرب... ازددت تصميماً وإصراراً...
وحين تراءى لي "العميد" ثانية، يضحك مني ويسخر، ماعدت أرى شيئاً ودون اعتبار للنتائج هجمت... وهجم نصار في الوقت ذاته..
استطعنا معاً وبحركتنا السريعة، السيطرة على حمودة، انتزعت البندقية من بين يديه، وبضربة واحدة ماحقة هشمت أخمصها الخشبي على ظهره، فجأر من شدة الألم كما جأر البكر حين خصيته.
اكتفيت بالضربة، وتركته ليوسف، وكان عند حسن الظن. إذ لقن الأعور درساً لن ينسى.. ومما زاد الأمر سوءاً عليه مجيء الأخوين موسى وعيسى حاملين سلاحهما!
فتعاون الثلاثة على نهش لحمه المر... فلم يصمد طويلاً... انهار كثور متعب...
لم يتدخل أحد لفك الاشتباك، أو لمساعدة حمودة إثر عودتهم...! وقفوا يتفرجون بإثارة وترقب على المسرحية... حتى الحاج صالح الرجل المؤمن، اكتفى بالتطلع، وكذلك فعل المختاروبقية الرجال...وكأن الأمر لا يعنيهم بالمرة... مما دل على الكراهية التي يضمرها الأهالي للسلماني ورجاله.
|