رد: العصفور والريح
مازلت مجهداً من جراء الحفر...
-أتحتاج لمساعدة...؟
-لا...
-إذن دعني آخذك إلى البيت لترتاح...
-لا... دعه هنا... تمدد يا كاكاحمة وارتاح...
اعترض الملاّ,... ولم يسمح عيسى لي بمزيد الكلام، قال:
-حسناً... كماتشاء يا ملاّ... سنتباحث في أمر المدرسة فيما بعد يا كاكاحمة...
تركني ومضى إلى دار نصار ليبارك لافتخار زواجها من "رجل شريف، مقتدر"، وأبقاني مع الملاّ الذي ابتلي بي...
انشغل مع الخالة رباب في تهيئة أسباب الراحة والهدوء ..حتى جاءت أمي بعد ساعة على غير توقع. جاءت فزعة، هلعة، خوفاً من حصول "شيء فظيع معي" لم تفصح عنه بلسانها لكن عينيها أوضحتا مخاوفها...
تهامست مع رباب، وتكلمت مع الملاّ فاعترى الشحوب وجهها وارتعبت، جلست بجواري وراحت تفرك جبهتي وأصابعي... وتقرأ قصار السور وتنفخ في الهواء...
لم أحتمل البقاء، شعرت بعظيم خوفها، فرأيت من الواجب ألا أزيد عذابها... تحاملت على نفسي وخرجت وحدي أبقيتهم حيارى... ألقيتهم في أتون الشك، ومضيت إلى الأرض الشرقية تمددت في وسطها وغفوت...
بعد دقائق جاءني نصار، بوجه باش ضاحك...
-مرحباً أيها الحبيب... مرحباً...
هتف محيياً كأنه لم يرني منذ أسبوع...!
جلس بقربي وشرع يسرد عليّ تفاصيل حياته الجديدة.
ويتحدث عن النعيم الذي يعيشه، بعد دخول افتحار بيته... الذي تحول إلى كتلة نشاط.
-منذ زواجنا وهي -إضافة إلى شغل البيت-باتت تشغل وقتها الزائد بحياكة البسط التي تجيدها، لصالح محمد بن سلطان، تعاونها حنان بنت بشيرة...، التي تولعت بالعمل مع عمتها...
سكت برهة ثم استطرد قائلاً:
-أتدري من كان في مقهاي قبل مجيئي...؟
أدرك عدم اهتمامي فتابع:
-سعدو... وحمودة الأعور وحسان... جاؤوا بعد ذهابك ... أنت وعيسى...
-وماذا في الأمر؟
-جلسوا يتهامسون... والتقطت أذناي اسمك... إنهم يتكلمون عنك..
-ليتكلموا يا نصار... وما المانع؟ القرية كلها تتحدث عني كما قال لي عيسى... لكن، وحق اللّه إذا بدرت من أحدهم نيّة سوء أو بادرة لؤم، أياً كانت... فسترى ما سأفعل... حاول نصار أن يشرح لي ويبدي وجهة نظره، فمنعته:
-أتتصور يا نصار، أنهم يخططون في المقهى لأمر هام! لماذا ولديهم أكثر من مكان!
-صحيح!! مالذي جرى لي...؟!
-إنهم يهدفون بث الرعب فقط، لتخويفنا ليس إلاّ...
-ومع ذلك، عليك بالحذر.. ولا تركب رأسك فتتورط، تورط نفسك بالدخول في بحر الصراع معهم...
قال ناصحاً فأزعجني... أفهمته:
-أتتصورني جباناً يا نصار؟! من يركب البحرلا يخشى من الغرق!
-لا يا كاكاحمة ... لا واللّه...
أقسم ... فاستفهمت منه:
-أجئت من أجل هذا الخبر؟
-لا... أردت إخبارك بأن عيسى سيذهب إلى أربيل غداً، في سبيل الحصول على إجازة المدرسة....
-أعرف...
لم يتح لي المجال لتكملة الحديث... سارع يقول:
-وسأذهب معه لشراء المضخة لك، والأنابيب المطلوبة...
فاعطني المواصفات والمال... أنت تعب... سأساعدك في الشراء وأمر على المحترم الجمولي... أبلغه تحياتك.. وحبك الشديد له...
مزح معي فأضحكني -تذكرت خالتي مريم، وأردت معرفة ما حصل لها في زيارتا الأخيرة.
-لم تخبرني عن خالتي مريم... هل ألتقيتها؟
-لا... فرت هاربة إثر إنذارك لها... حتى إنها لم تتناول الغداء مع الخانم كما تعودت! لم تبق في القرية سوى ساعة، بعد رفضي الذهاب لمقابلتها... مثلما أرادت... وكذلك فعل المختار والحاج صالح... حين أرسلت بطلبنا..
-سيأتيك الجمولي قريباً... فماذا أعددت له؟
-لاأملك إلاّ رداً واحداً... "سددت مابذمتي لك من ديون واسترجعت المستندات... منذ زمان..."
|