رد: العصفور والريح
25 -
عاد عيسى فألهب جوارحي، ألهبني وجوده في القرية، نيراناً حامية، وألهبته باقتراحي حماساً كبيراً.
-فكرتك رائعة يا كاكاحمة، رائعة، ولكنهم لن يسمحوا لنا...
-لا تيأس... لنحاول، فالحال تغيرت، ولا تظنني جاهلاً، بذلك، كنت أعرف أننا سنصطدم بالمعارضة... لذلك سعيت إلى إعادة بناء المسجد وتوسيعه ليكون البديل... به نبني الروح والعقل معاً...
-جيد.. الوقت مناسب جداً لفتح المدرسة، لكن أين سنفتحها إذا حصلنا على موافقتهم؟ أين؟! إنها ليست غرفة واحدة..
-سنبنيها على أرضي...
-أرضك غير صالحة لبناء مدرسة.. إنها مائلة ومرتفعة، الصعود إليها ينهك الصغار ..
-ماذا تقترح إذن؟ أين نفتحها؟
-لا أدري لم أفكر بهذا من قبل... أنت فاجأتني حقاً ثم أن الأمر ليس سهلاً فمديرية التربية لن توافق بسهولة.. والآغا سيمنعها بأسنانه.
-سأدفنه إذا أبدى رفضاً... المختار والملاّ معنا..
-المدرسة حراب مسمومة، لن يسمحوا لها باختراق أمعائهم... لن يهضموها أبداً.
-هناك ألف مدرسة ومدرسة في أربيل وحدها، فلماذا نحرم نحن؟!
ثق أنني سأبنيها مهماكلفني الأمر من مال وجهد سأبنيها حتى لو اقتضى الأمر قتالهم... سأبنيها على أشلائهم... بشرفي... سأبنيها كما بنيت المسجد... وستكون أنت مديرها...
-أهدأ يا كاكاحمة... الأمر لا يحل بالانفعال...
قال مهدئاً وهو يرمقني بعين العجب..
وأضاف بعد فترى صمت وترقب:
-صحيح، علينا استخدام إيوان المسجد مؤقتاً، منذ الغد سرني اقتراحه فهمست معلناً موافقتي...
-فكرة جيدة... مدهشة.. الملاّ لن يرفض..
كنا نجلس في المقهى .. ننفرد في طاولة بعيدة عن صخب الرجال وثرثرتهم... ونصار يراقبنا ويمدنا بأقداح الشاي بالليمون... فرحاً بشقيق زوجته الذي جاء يبارك ويهنئ الزواج الميمون
إنها مجرد فكرة.. ربمانعثر على مكان أفضل كي نحصل على إجازة التربية بفتحها... لتغدو نظامية..
-هيا نذهب إلى الملاّ لأخذ رأيه، واستشارته..
سحبت يده حين لحظت تردده، خرجنا من المقهى باتجاه المسجد، ولاحقنا نصار بعينيه المستغربتين لم نجد الملاّ هناك فقصدنا البيت.
فتحت لنا الخالة رباب الباب، وأدخلتنا إلى الصالة.. حيث كان الملاّ يرتل القرآن.
رحب بنا، وبعيسى بالذات، مثلما رحب بالفكرة وأبدى مساعدته:
-سأجبرالرجال على جلب أطفالهم..
-قانون التعليم الإلزامي يجبرهم على ذلك..
ضحك الملاّ من قول عيسى وقال:
-لايابني...لا... في قريتنا لانطبق قوانين الحكومة، وبخاصة هذا القانون...
احتد عيسى وأعلن احتجاجه بأدب:
-ياحضرة الملاّ... هذا القانون بالذات أحسن القوانين وهو أمضى سلاح بيدنا ضد الجهل والمرض..
بسط الملاّ كفيه بانزعاج وقال موضحاً:
-البريطانيون هم الذين سنوا قوانين المدارس عندنا وفتحوها في بلدنا لتضييع أقوات أطفالنا وضياعهم..
وتشتيت روابط الأسرة.. ولحمتها...
أراد عيسى الاعتراض فمنعه الملاّ وتابع:
-مبروك لك يا كاكاحمة.. انجب ولداً أو ازرع شجرة.. أدركت مايقصد فأكدت له:
-وسأفعل ... سأحرث الأرض وأزرعها...
-اهتم بصحتك يا بني... فهي أثمن مافي الوجود ... لا تدري ماذا حل بخجة وهداية، حين سقطت طريح الفراش؟
اللّه الشافي.... "إذا مرضت فهو يشفين...".
|