رد: العصفور والريح
23 -
فشلت محاولة البئر وخاب مسعاي:
فبعد خمسة عشر يوماً من العمل الجاد، وعشرة أمتار من الحفر صادفتني طبقة صخرية، صلدة!
أعلمتني رنة أول فأس على سطحها، باستحالة تفتيها، ولم تكتف، بل أسمعتني صرختها المدوية، حين لمحت إصراري على متابعة العمل، وعدم مبالاتي بها:
-لاتتعب يا كاكاحمة... كفى، فلا جدوى مماتفعله.
ورددت جدران البئر العاقر صدى الكلمات العشر وأعادتها أمي على مسامعي حالما هجست نيتي! ومن بعدها فعلت بشيرة، التي لم تأت لمساعدتي بل جاءت تشكو سوء حظها وتندب حالها، ولتعلن بدموعها الساخنة:
-إن خصامي مع يحيى هذه المرة هوالأخير.
لم أصدق، لم أقتنع، فكذبتها واضحة كشمس الظهيرة.
ولأني كنت منزعجاً بسبب البئر، تجادلت معها بغضب وأرجعتها إلى البيت حالما ارتفع صوت زوج عمتي، يؤذن للمغرب... لم استسلم للفشل فمازالت أعيش لذة العمل ونشوته.
لذة الروح وهي حالة من النورانية والانشراح في الصدر، فأعلنت تصميمي على مواصلة الحفر، حتى وإن اقتضى الأمر التسلل إلى ثكنة الجيش القريبة، لغرض الحصول على أصابع ديناميت، لتفجير الصخور المعترضة، وإزاحتها عن طريق الماء المخزون.
أعلنت ذلك للجميع وكدت أمضي قدماً لولا هدهد ... فعلى السرير، وإثر عجزي عن مجاراتها في الحب وخيبتي قالت مازحة :
-نضب بئرك يابن عمي، فلا تتعب نفسك.
هجست امتعاضي فأردفت بسرعة:
-كفاك تعباً وإرهاقاً لجسدك، وضياعاً لوقتك،اهتم بصحتك وليذهب البئر إلى الجحيم.
-الأرض بحاجة للماء ياهدهد!
-يمكننا جلب الماء من الجدول...
-ذلك أمر صعب... سيرهقنا...
-من أجل سعادتك، أقدم روحي رخيصة أمامك.. شكرتها، وقررت التوقف عن الحفر، وطمر الحفرة التي أرهقتنا، وإعادة التراب إليها....
ضاع جهدي المبذول طوال أسبوعين، وتطلبت عملية الردم ساعات نهار يوم كامل، أحسست في نهايته بارتجاف بسيط في جسمي، فأيقنت على الفور أنها علامات الانهيار، ثم استسلمت لنوبة الدوار المفاجئة... وأجبرت على الاستراحة ليومين متتاليين قبعت خلالهما في البيت، وعلى السرير بالذات ودونما حراك...إذ عاودني الصداع بشدة، وعاد ليعصف برأسي ثم حلت الحمى بجسدي كله، فاستلقيت على أساس أن النهاية حانت، ورحت أتلمس جسدي، تصورته نحيلاً هزيلاً لم يبق منه إلا الجلد والعظام... ووجهي شاحباً تعلوه، صفرة الموت...
ولأني رحت أهذي، توسلت أمي إلى الملاّ أن يأتي لزيارتي ليقرأ بعض السور القرآنية، ويكتب لي تميمة تقيني شروراً كثيرة، وتبعد الضرر عني وتجنبني عيون الحسد والحاسدين.
ولم يتأخر جاءني والألم يكاد يمزق الأحشاء، جلس قرب رأسي، لم تكن صحتي تسمح لي بفهم مايقوله ومتابعته... لكني سمعته يستعيذ ويبسمل، ويده على جبهتي، راح بعدها يؤذن ويقيم في أذني، ثم شرع يقرأ آية الكرسي، وفاتحة الكتاب وسوراً أخرى قصيرة.. مما أشعرني بشيء من النشوة..
ففتحت عينيّ لأشكره... فواجهني وجهه الباش وابتسامته العميقة:
ربت على كتفي بحنان وقال:
-ابشر يا كاكاحمة فالرسول (ص) يقول: إن المؤمن إذا حمّ حمّى واحدة تناثرت الذنوب عنه كورق الشجر.
فإن صار على فراشه فأنينه تسبيح وصياحه تهليل، وتقلبه على الفراش كمن يضرب بسيفه في سبيل الله وأن أقبل يعبد اللّه عز وجلّ بين أصحابه كان مغفوراً له، فطوبى له إن مات وويله إن عاد، والعافية أحبّ إلينا... ولا تنسى يا كاكاحمة: إن صراع ليلة يحطَّ كل خطيئة إلا الكبائر... وحمى ليلة كفارة سنة، ذلك لأن ألمها يبقى في الجسد سنة، لذا فإن سهر ليلة من مرض أفضل من عبادة سنة.
وتذكر يا بني إن المرض للمؤمن تطهر ورحمة وللكافر تعذيب ونقمة ولعنة...
كرر أقواله وأدعيته وذهب بعد ساعة ... وتبعته أمي فبقيت مع هدهد المرعوبة:
-ماذا بك يابن عمي؟
-عضلاتي مشدودة، متوترة، وأشعر بالإنهاك...
-أعطني ظهرك لأدوسك... سأفرك عضلاتك... أمرغها تمريغاً..
|