رد: العصفور والريح
دمدم مهتاجاً فأفحمه يوسف:
-لعلمك يا أبي، كنا الآن عنده... في البيت... لقناه درساً لن ينساه، وطردنا من كان بانتظار تشريفك، ليأخذك إلى أربيل لتوقيع العقد، لماذا تفعل هذا؟ أأنت بحاجة إلى مال؟
صمت المخرف مأخوذاً بجرأة ابنيه، فبربرت خجة مغتاظة:
-لم أفهم شيئاً!!
ابتسم يحيى وأوضح:
-أبونا المحترم يريد بيع بيت أربيل، دون إعلامنا...!
هذه هي المرة الثانية يا عمتي... التي يمكننا اللّه منه... في الأولى أفشل كاكاحمة العملية دون قصد حين أخذ أوراق البيع... واليوم نصار...
-كذب... كذب...
زعق بوجوههم وغادر البيت على عجل، دون أن يترك أثراً لبول، ولحق به الأخوان وهما في غاية الفرح...
-ربما دثر نفسه، أو وضع دثاراً... على قلاقيله... علقت أمي هازئة وهي تدقق في مكانه...
تحدثنا عن محاولة السلماني لاستدراج المخرف عن طريق سلطان ووساطته... واستنتجنا أن صفقة رابحة وراء ذلك، وهي التي أسالت لعاب المخرف ودفعته ليستعيد شبابه فيرتدي ملابس الحفلات ليمضي إلى أربيل...
بعد الفطور، أخذت هدهد إلى الأرض الشرقية، وبدأت العمل في البئر، بعد أن أكسبني بئر المختارخبرة كبيرة.
قبل يومين حددت المنطقة التي سأحفر بها، وأحضرت العدة اللازمة، فأس ومسحاة وقفة وحبل وإزميل...
رحت أحفر بهمة ونشاط، أملأ القفة بالتراب، فتنقلها هدهد إلى منطقة قريبة.. ترميها وتعود... وسرعان ماكبرت الحفرة ونزلت فيها... ولم تتوان هدهد لحظة.. كانت تسحب القفة بوساطة الحبل، بنشاط وحيوية ودونما ضجر....
وجاءت أمي لمساعدتنا، أخذت تتلهى بطحن ماجلبته أمس من القرون، تمهيداً لمجيء سعدو، الذي لم يمانع في العمل معي، حالما كلمه نصار، الذي حذرني منه "رأيته مع حسان"!
لم أستمر بعملي طويلاً، إذ أصابني الإرهاق وعاودني الصداع كما أن خشيتي على هدهد وعلى الجنين -الذي اعتقدت أنه بدأ ينمو في أحشائها-أجبرتني على التوقف طلباً للراحة.
تمددت بجوار أمي، ورحت أسترجع ماحصل لي، وما سيحصل.
كان الجو مشمساً، وثمة نسيم بارد عذب راح يلفح وجهي، أغمضت عيني وكدت أغفو.
سمعت صوت بشيرة تتساءل ضاحكة:
-ماذا قلتم لعمي ؟ ماذا؟
-لعنة اللّه عليك وعلى عمك المخرف... تعالي ساعديني... استقبلتها أمي باستياء وأمر، فقهقت بشيرة عالياً قبل أن تقول:
-هددني بالتجويع، إذا رفضتم طلبه.عرضه السخي بخطبتك يا خجة!
-خطبه إبليس إن شاء الله، أتدرين إنه خرج صباحاً قاصداً بيت الآغا ولم يكن في نيته المجيء إلى هنا.؟!
-أعرف ... أعرف، ظل يحيى يستجوبه طوال الليل حول سبب مجيء سلطان، فلم يحصل منه على مايفيد وفوجئنا صباحاً بنصار يخبرنا بأن عمي في بيت السلماني! تسلل من البيت دون علمنا... وحين شعر باكتشاف أمره فر هارباً إليكم... ليسوغ خروجه المبكر والسري...
في تلك الأثناء جاء من يخبرنا بوصول خالتي مريم إلى دار السلماني، فبعثت معه إليها رسالة شفوية مستعجلة:
-أيتها السافلة، إذا تخطت قدمك عتبة دارنا، سأدفنك حية... عودي إلى أحضان زوجك الكلب.. وأنذرت أمي وبشيرة:
-سأكسر رأس من تلتقي بها، لأي سبب من الأسباب .
(( شعرت وأنا في بيت النقيب خالد، بأني أعيش في بيتي، بيت أخوتي!
|