رد: العصفور والريح
اعتراه الخجل وردها بانكسار:
-إنه مرض ياخجة، أمر اللّه القدير، فلا تسخري مني.
-آمنا باللّه، إذا كنت مريضاً فلم جئت؟! هيّا أكمل فطورك وامضِ من هنا...
-سأشفى قريباً بإذن الله... ذهب عيسى إلى بغداد ليسأل لي عن أفضل الحكماء:
-عندما تشفى إن شاء الله وتتعافى تماماً، أبحث عن واحدة تناسبك، تليق بمقامك أيها المخرف.
-وأنت يا خجة؟ أترفضين حقاً!
-عيب عليك يامخرف... زوّج أولادك أولاً ... عندك ثلاثة شباب يستحقون الزواج... فكر بهم...
-ألديك مال يكفيك للزواج؟
سألته أنا بعد إهانة أمي فانتفض غاضباً واعترف:
-أناأغنى من في القرية... أموالي ضعف أموال الآغا... أراضيّ المضمونة تدر ربحاً سنوياً كبيراً يكفي القرية كلها، وسياراتي الثلاث كنز لاينضب... ورصيدي في البنك خير من اللّه...
اصطدته بسهولة، وأهنته دون رحمة:
-ولِمَ لم تتبرع لبناء المسجد؟! أنت الوحيد الذي رفض المساهمة حتى بفلس واحد! أدعيت أمام الرجال الذين زاروك أنك لا تملك قوت يومك!
ارتعش من الحرج، واستشاط غضباً وحرجاً حين أكملت بهدوء وفطنة:
-قال اللّه في قرآنه المجيد: "إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلاّ اللّه، وقال: "ومن يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب"..
ارتبك من شدة الحرج، وزادت أمي ارتباكه بقولها:
-لم تستجب لأمر اللّه القدير، وتريد أن تتزوج أيها الكافر!
إن من لارحمة في قلبه لا يستحق الرحمة.. أتريد أن تميتني جوعاً!
لم يحتمل أكثر ... زعق في وجهها:
-وهل ماتت بشيرة؟ أسأليها، أيوجد في القرية من يأكل مثلنا؟
-لأنك دنيء النفس شره، يشتد اشتهاؤك للطعام بمرور الوقت، وحرصك على إحضار ماطاب لك ولذ!
-كفى.... كفى..
-لا تغضب يا عمي.. عمتي... تمزح معك.. تمزح..
تدخلت هدهد عندما سمعته يغمغم ويهمهم..
أشرت إلى أمي بالسكوت... ففعلت... لكنه لم يهدأ استمر بهذيانه حتى طرق الباب...
نهضت أمي لتفتح بسبب قربها من المدخل.. فرفع عينيه فلمحت فيهما حزناً دفيناً وخوفاً، وترقباً.. ولم يطل الأمر... فمجيء يحيى ويوسف المفاجئ أذهله، جمده في مكانه.
-أنت هنا! ونحن قلبنا القرية بحثاً عنك..
تنهد يوسف وزمجر يحيى بوجه أبيه المرعوب:
-ماذا أنت فاعل؟ أتريد استغفالنا ياسيد عثمان!
سكت المخرف... لم يقو على الكلام، فأردفت يحيى:
-أتتفق من وراء ظهورنا مع السلماني الكلب! أتظننا سذجاً لا نعرف ألا عيبك؟
-كذب... كذب... لم أتفق مع أحد...
|