رد: العصفور والريح
عدت إلى الموصل، وفي أول يوم، وبعد حصة التدريب، أحسست بالإعياء والإرهاق، لم أحتمل حرارة المهجع اللاهبة، وعرق الأجساد المتصبب، ورائحة الآباط المقززة، فهربت... رحت إلى رحاب السماء باحثاً عن رعشة هواء في الجو الخانق ...
كنت مرتاحاً، مستلقياً في الظل، أفكر بما حصل لنصار... وبالإهانة التي لحقت بالآغا، والتي أفرحت القرية بكاملها، عندما جاء العريف إسماعيل كالطاعون...
انتصب قربي واقفاً، لم أهتم به، ولم أبال، لكن حين طالت وقفته، التفتّ إليه:
ألقى عليّ نظرة ازدراء وأمر بجفاء:
-حضر حالك، ستذهب مع النقيب خالد...
-إلى أين؟
-إلى المشنقة... إلى ساحة الإعدام...
-ستسبقني إليها إن شاء الله..
-أنت محظوظ، لأنك ستهرب من بين يدي...
-وأنت أكثر حظاً يا إسماعيل، لأنهم أبعدوك عن "مجنون"-
-سنلتقي وستعرف من هوالعريف إسماعيل...
هددني بقبضتيه، فصحت وأنا أقف أمامه:
-ولِمَ نؤجل اللقاء؟ .. هيّا، سأكسر رأسك لتعرف من هو كاكاحمة... المجنون... ياكلب... يانذل يابن...
ارتد مذعوراً... تراجع خطوات... تطلع إلي بعجب وأنذر:
-لن أمررها عليك ... وسترى
-سأفقأ عينيك... أيها الخبيث... الكاذب...
-لم يتجاسر أحد عليّ طوال خدمتي في الجيش!
-لو احترمت نفسك معي... لاحترمتك... لكنك....
-كفى، كفى... هيّا حضّر حالك، وانتظر قرب البوابة... صاح مقاطعاً وابتعد مذهولاً....
انتظرت لمدة ساعة، ومجيد بجانبي، ينصحني ويرشدني، يسليني ويقوي عزيمتي، ويزيدني إصراراً، ولم أتخلص من ثرثرته حتى جاء العريف إسماعيل مرة ثانية فعجبت وزاد عجبي حين لمحته يشير خفية إلى مجيد ليقترب منه إلا أن هذا لم يفعل، فاضطر هو للاقتراب وتحفزت بدوري للرد عليه، ظناً مني بأنه سيتشاجر....
-لِمَ تتهرب مني يا مجيد؟!
أذهلنا بسؤاله ... فمازحه مجيد:
-أقسمت ألا أحدثك... ماذا تريد...؟
-جئت أسألك... أريد معرفة: من هو الرئيس كندي؟ أهو منا؟ سمعتك تقول: إنه كان على علاقة بـ...
قاطعته مجيد بهدوء: وهو يخصني بنظرة تحذيرية كيلا أتهور وأضحك:
-رح ياعريفي، إلى مكتبك وسآتي لأشرح لك عن علاقته بمارلين...
-بالسيدة مارلين مونرو...
صحح العريف وأضاف بحدة، وعيناه تراقباني:
-لايجوز يا مجيد، لفظ الأسماء، أسماء العظماء دون ألقاب.. لايجوز...
توقف لحظة، تنحنح كمن يستأذن ثم حسم أمره، ابتسم ولوى رقبته كالذليل، فتقاقم ذهولنا وكدت أسأله فسبقني مجيد:
-ماذا تريد ياعريفي ؟ يبدو أنك جئت لسبب آخر...
-أريد أن أطلب من كاكاحمة أن يجمع لي...
-فهمت يا عريفي ... فهمت...
أكمل مجيد حال تلجلج لسان العريف... والتفت إليّ مخاطباً بهزء واضح، دون أن يغير نظرته التحذيرية:
-كاكاحمة أيها العزيز، لا تنسى عريفنا المبجل، "أبو الحق" قلّب كل مايقع تحت يديك من مجلات في بيت النقيب... واقتطع منها الصفحات الفنية فقط... خاصة الملونة... و"الستربتيز" بالذات... وأجلبها عند عودتك، ليباركها "أبو الحق" ويمررها على...
|