رد: العصفور والريح
20 -
التقيت بسلطان وأنا في طريقي إلى الأرض الشرقية، كان عجولاً على غير عادته،يحث الخطى باتجاه بيت المخرف!
سلّم عليّ فلم أرد، مضى يتعثر بقدميه مما هيج فضولي، فلاحقته بنظراتي، أدهشني انفراده بالمخرف... لكني لم أهتم كثيراً... تابعت سيري وكلي تصميم على إنجاز ماتبقى، مضت فترة على تركي إياها... ولابد من مواصلة العمل...بعد أن ضيعت يومين في تنظيف بئر المختار...
مساحة أرضي التي تتجاوز الثلاثة آلاف متر مربع، أغرتني بتنظيفها من الأحجار والصخور المتراكمة، بعد حرق وانتزاع الأشواك والصبيّر، في المرة الأولى...
لم يكن الأمر سهلاً... لكن عزيمتي وإرادتي، وِإصراري دفعتني قدماً إلى العمل الجاد... وزادني عزيمة وإرادة وإصراراً مجيء هدهد لمعاونتي... باشرت بعد دقائق من وصولها... على الرغم من ممانعتي!
-لم تتعبين نفسك؟! عودي من حيث جئت... عودي...
-إنها أرضنا يا كاكاحمة؟ وتعبي فيها راحة لي، فلا تشعرني بالنقص... دعني أساعدك... بلا إهانات...
-ماقصدت إهانتك يا هدهد... أردت راحتك، ليثبت ابننا في بطنك..
-إذا لم يخرج قوياً فلا خير به... لا خير... لا أريد طفلاً يأتي بعد تسعة أشهر من الراحة والاسترخاء... لاأريد... فلن يفرح قلبي بالتأكيد...
وألهمني وجودها إلى جنبي قوة ونشاط، لم أعهدهما فيّ من قبل! وكانّ مثار الإعجاب ودافعاً كبيراً لتحريض الأهالي... خاصة الرجال، جاء حشد منهم... تدافعوا مبدين استعدادهم للعمل.
وتسابقوا في إظهار براعتهم في اقتلاع جذور الحشائش، وانتزاع الأحجار والحصى، والصخور النابتة، ومن ثم جمعها ورميها على الحدود المتاخمة لمزرعة السلماني، وأرض المختار... مكونين سوراً بارتفاع قدمين على طول الأرض وعرضها.
فاستغنيت بذلك عن أحجار بيت جدي القديم، كما خططت سابقاً...
كنت أتوقع الانتهاء من العمل بعد أسبوعين، إلاّ أن أيدي الرجال قلصت الزمن إلى ثلاث ساعات فقط..
-انتهينا! أمر لايصدق... فيكم البركة يا رجال... فيكم البركة... كثر اللّه أمثالكم.. وألف شكر لكم.. ألف شكر..
-ونحن، ألا شكر لنا يا كاكاحمة! حتى ولا كلمة واحدة!
فرحت شذى وهي تمسح جبهتها، فأسرعت بشيرة لاحتضانها.. أخذتها بين ذراعيها بمحبة وهمست قرب أذنها..
-أنا سأشكرك ... شكرك عندي مع بشرى خاصة... تعالي معي... تعالي...
سحبتها بعيداً عنا.. لحقت بهما هدهد، قبل أن تقودها أمي..
-أرضك هذه لا نفع منها يا كاكاحمة... لا نفع ولا جدوى من كل الجهود التي بذلناها...
صارحني يحيى وهو يتمدد قربي، عقب انصراف الرجال... عجبت فوبخته:
-أنادم أنت على مساعدتي يا يحيى؟!
-لا... لست نادماً.. ولكن منذ أخبرتني بأنها أصبحت لك، وأن السلماني تنازل عنها حتى.
|