رد: العصفور والريح
19 -
بعد شهرين من زواجي، تزوج نصار، زفت افتخار إلى بيت جديد، كان ضمن شروط موسى، الذي أصر أن تسكن أخته في موضع بعيد، عن المكان الذي دفنت فيه هبة، بعد قتلها!
بعد جهد ووقت وافق موسى على زواج أخته، بينما لم يجد الأب، ولا يحيى ويوسف، مانعاً يحول دون الزواج، فأعلنوا موافقتهم دونما شروط، لم يبد سبباً، مقنعاً، وإن تحجج بأن الواجب يقتضي انتظار عيسى وأخذ رأيه... لكن المختار ألجمه وأجبره... مما حفزه لفرض شروطه....
تزوجت افتخار، وغدت بشيرة سيدة البيت دون منازع، إلا أنها لم تصبر، لم تصمد طويلاً، فشلت في الامتحان.
وحدث المتوقع بعد يومين فقط... وحملت حالها وجاءت شاكية متبرمة.
-سأموت لا أحتمل شغل البيت وحدي...
-وابنتك!! ألم تقولي إنها أصبحت عروسة فلِمَ لا تساعدك!
صحت بها وتدخلت أمي معاتبة.
-كلفيها بأشياء بسيطة... تدّرجي معها... هذه هداية أمامك خير مثال... إنها في المطبخ منذ الصباح... وعندما تنهي عملها هناك... ستأتي لمغزلها مباشرة..... لن تتركه حتى تهجع...
-المشكلة ليس في الطبخ والمطبخ... بل مع عمي عثمان.. لا يريد أن يقترب منه غيري... وأنا لا أطيق رائحته... لا أطيق.... اشمأزت أمي وسألتها:
-ألا يساعدك أحد أبنائه؟ زوجك!
-يوسف فقط..
أعلنت بشقاء وعادت تبكي بدموع التماسيح... وصمتت أمي... ورحت في دوامة الأفكار...
لم أنتبه لما راحت تقوله وكدت أغوص في الأعماق لولا فكرة طارئة قدحت في رأسي فجأة، فطرحتها:
-يوسف! لِمَ لا تزوجينه؟
استغربت بشيرة وردتني في الحال:
-أزوجه! ومادخلي أنا؟ لست أمه ولا أخته! الأب يريد الزواج! أمس قال لي: لو تقبل خجة بي، سأهبها كل أملاكي....
استاءت أمي، سبت المخرف، لعنت أجداده... ثم أبدت ترحيبها باقتراحي...
-اسمعي يا بشيرة... ماقاله أخوك هو عين العقل... زواج يوسف أو موسى هو الحل... امرأة في البيت تساعدك وتسليك...
-وأين أجد هذه المرأة يا أمي...؟
قالت بعد اقتناع فاقترحت من جديد، للتخلص من ورطني:
-مارأيك بشذى بنت عمتي؟
امتلأ وجه أختي بالبشاشة، لكن خجة اعترضت.
انتفضت كالملسوعة، وصاحت بي:
-لا... موسى أصغر منها... لا يجوز أبداً...
استغربنا هذا الرفض الصريح، واحتجت بشيرة:
-بستة أشهر... لا يهم يا أمي...
-لا... لايمكن، من تزوج امرأة أكبر منه يقصر عمره يا بشيرة...
-خرافة يا أمي... ماتقولينه خرافة، لايصدقها عقل...
أفهمتها بهدوء وصرخت بشيرة:
-لاتتدخلي ياخجة... لا تقطعي نصيب البنت... حرام عليك...
-أنا!!
-سنخطبها ليوسف.... مارأيك يابشيرة؟
صفنت بشيرة، أدخلت الفكرة في رأسها.... دوّرتها لتختمر، وسرعان ما أخرجتها طازجة، ناضجة... خرجت بنتيجة طيبة بعد تفكير، فأفتت:
-أتريد الحق... إنهما لائقان ببعض... يوسف وشذى...
-إذن توكلي على الله... ابذلي جهودك... علّها تنجح فتضربين أربعة عصافير بحجر...
-هل ينسى عمتك بتول؟
-يا أمي، الموتى لا يعودون...
-لا... بتول لم تمت... اختفت...
-اختفت، هربت، ماتت، أكلها الجن، اختطفها الجن.... كل ما تريدين قوله نعرفه... فاسكتي... احترمي شيبتك ولا تتدخلي... ودعي الأمر يمر بسلام....
خاطبتها بشيرة برجاء ممزوج بحدة، وغادرت البيت يلفها الأمل....
|