رد: العصفور والريح
وإلاّ فسنضطر إلى إدخالك "دورة تقوية عضلات واسترجاع الذاكرة".
أرهبني تهديد الشخص الثالث، وكان أصلع يرتدي ملابس مدنية، وعلى عينيه نظارات طبية، فحدسته ضابط أمن... جلاد..قدم لأخذي إلى مديرية الأمن العامة، حيث سيسلخ جلدي... خفت كثيراً.... وتذكرت (إلهام) -أخبرتها بسري فباحت به... قلت لها أني رأيت نصاراً يذبح هبة... فما عاد الإنكار ممكناً، وهو لن يفيدني بشيء بالتأكيد، وليس أمامي سوى الإقرار والاعتراف:
-صحيح، تذكرت... شهدت الحادثة حقاً... رأيت كل شيء بعيّني هاتين... رأيت نصار وهو يهوي بخنجره عليها!
يغمده في أحشائها! كنت في طريقي إلى العين في حدود الواحدة ليلاً لأشرب، إذ أحسست بالعطش ولم أجد في البيت مايكفي لإروائي... في البدء سمعت صرخة فزع! فتنبهت...
التفتّ باحثاً... فلمحت هبة تندفع من بيتها مذعورة، باتجاه الساحة بملابس النوم! حاسرة، حافية... عرفت أنها تفر من خطر داهم فركزت بصري عليها، وعلى الفور ظهر نصار يتبعها حاملاً الخنجر! .... اختبأت خشية أن يراني....
ورحت أراقبه.... لحق بها وأمسكها وسط الساحة! حاوّلت الصراخ فكمم فمها بيده اليسرى وكتم صوتها، بينما راحت اليمنى تهوي بالخنجر على جسدها... طعنها أربع أو خمس طعنات! ولم يدعها تسقط... تلقاها بكتفه، أسندها وسحبها نحو البيت. وعيناه تجوسان المكان، تتلفتان يمنة ويسرة، وتتفحصان الطريق لتتأكدا من أن أحداً لم يره... وفي الصباح ادّعى نصار بأنها هربت... وشهد السلماني "بأنه ورجاله رأوها تهرب ... ترحل عن القرية حاملة حقيبة صغيرة"! ولأنها من "القرج" لم يشكك أحدنا بقصة نصار، سكت الجميع فسكتّ بدوري، اعتقاداً مني بهروبها.
صدقت بأنهاهربت فعلاً بعد رؤيتي لها.. اعتقدت بأن إصاباتها كانت جروحاً خفيفة، ليست قاتلة كما خيل إليّ... وأقنعت نفسي "إني لم أر جيداً في الظلام" وبمرور الأيام نسيت كل شيء... ولم أفتح فمي بكلمة حول الموضوع، حتى استجوبتني إلهام زوجة العقيد رأفت...
هكذا تحدثت أمام المحقق بصراحة، معترفاً بالحقيقة كاملة.... دونما خوف، ومن غير تعذيب وجلسات "استجواب ودورات تقوية الذاكرة"... وهكذا أعدت الاعتراف أمام المحكمة ... بعد أسبوعين....
فتحت التعذيب الذي لا يرحم، أقرّ نصار بجريمته. اعترف بصحة مارويته، وكذلك أجبر السلماني على الاعتراف بكذبته، ثم الشهادة بما رآه... فحكم عليه بسنتين سجن مع الأشغال الشاقة، بتهمة شهادة الزور، وتضليل العدالة، والتستر على جريمة قتل، لكنه بفضل الجمولي، بمكره وقدرته على قلب الحقائق، وبسطوة الدنانير ورهبتها استطاع الخروج من السجن بعد ستة أشهر فقط!
دفع السلماني أموالاً طائلة، لقاء حريته، بينما حكم على نصار بعشر سنوات، خفف إلى خمس لأسباب خاصة... وخرج بعد ثلاث سنوات، إثر مراحم كثيرة ..... شملته كلها....
|