رد: العصفور والريح
فعلى غير توقع أخذ يرتجف، ارتعشت أطرافه واصطكت أسنانه... ثم تشنجت أعصابه فلوى عنقه ومد لسانه وكما ينزلق الماء على المرآة انهار الملاّ، سقط أرضاً فاقد الوعي!
وضج المسجد، اضطرب الحضور وهرع الأقرب منهم لنجدته تعاونوا على حمله إلى الخارج ومددوه في الساحة، وهو مابين الحياة والموت... وتكوّم الخلق حواليه يتصايحون هلعاً...!
واستغل عمي حسن الفرصة -بعد تأكده من إلغاء المجلس-فأخرج الرجال، ليتسنى له تنظيف المسجد وإغلاق الباب، والذهاب إلى بيت المختار لإكمال المشوار وتناول العشاء، حيث نصبت القدور هناك...
وفي خلال دقائق لم يبق أحد في المسجد، إذ تحمس الجميع لفكرة تناول العشاء في بيت المختار، بسبب الراحة الدفء.. تدافعوا تباعاً، وكانت تلك معجزة إلهية لن تنسى...
فبصورة مفاجئة حيّرت عقولنا، هوى سقف الإيوان، سقط كتلة واحدة دون مقدمات! فأحدث دوياً هائلاً صم الآذان، وتكومت كتل الحجارة الضخمة في الداخل محتلة مكان الأهالي! وتناثرت القطع الصغيرة في كل اتجاه، وتصاعد الغبار والتراب ليطرد الواقفين.. واندفع الناس كتيار متماوج وسادت الفوضى وعم الصخب..!
وسمعت صرخات استغاثات ورعب... ثم هدأ كل شيء....!
ومن بين ذارت الغبار المتطايرة، تراءت لي وأنا في محلي وجوه الرجال صامتة مذهولة لماحدث...!
وراحت العيون تدور في الأرجاء تمسح المكان، وتتفقد الوجوه، كل يبحث عن أبيه وإخوانه أو أبنائه... يلفها الذهول والرعب... وآثار الصدمة تنطبع على ملامحهم بوضوح...
قبل أن يداخلهم الأمان ويطمئنوا..
فبعد دقائق رهيبة من الذعر والترقب، من الصراخ والفزع، والصمت والخوف، تعالت صيحات الفرح والابتهاج....!
لقد سلم الجميع من موت محقق، لم يصب أحد بأذى، وذلك بلطف الله القدير...
-الحمد لله.... الحمد لله...
سمعت هتاف الملاّ الخافت، وهويفتح عينيه ويستعيد صوابه، ويسترد عافيته....
كنت مصعوقاً من شدة المفاجأة، وربما أكثر الجميع... لذا بقيت في مكاني دون حراك... لم أنفعل مثلهم أوأبتهج.
لقد صعقت... فالحلم الذي راودني ذات ليلة، تحقق الآن بحذافيره!
-حصل خير...حصل خير...
صدح صوت المختار.... وأيده الكثيرون... وهم مدهوشون لا يكادون يفهمون حقيقة ماحدث...
-نادوا لي كاكاحمة.... نادوا لي كاكاحمة...
ميزت صوت الملا المتوسل، وأنا أتفرج على معجزة السماء، فلعنته في سري.
جاءني أكثر من شخص ناقلاً لي رغبة الملاّ فرفضت مما اضطره إلى الزحف نحوي.
-أين أنت يا بني.. أين أنت ؟
نظرت إليه فوجدته خائراً، منهاراً، لم تبارحه بعد حالة فقدان الوعي إلا قليلاً.
-أرأيت ما فعله اللّه بي؟ أرأيت عظم ذنوبي يا كاكاحمة!
لم أستمع إليك... منذ شهر وأنت تلح عليّ!
فغر الرجال أفواههم عجباً واستطرد .... بندمه:
-منذ شهر، وأنت تلح بإعادة البناء وأنا أراوغ.... هذا جزاء ذنوبي.. معصيتي.... ليغفر اللّه لي.... ليغفر لي... لم أصدق حلمك يا بني... لم أصدق... ليغفر اللّه لي، ليغفر اللّه لي...
|