رد: العصفور والريح
15-
كنا منهمكين في هدم سقف الدكان القديم، عندما جاء نصار، سلّم وعرض مساعدته، فشكرناه، وتوقعنا انصرافه، ليتخلص من الغبار المتطاير، إلا أنه لم يفعل! وقف طالت وقفته ثارت شكوكي وريبة عمتي، التي دفعتني نظراتها إلى سؤالة:
-ماذا وراءك يا نصار؟ أجئت تساعدنا في البناء.
ابتسم بخبث، حنى رأسه وهمس بحرج:
-أراك نسيتني يا كاكاحمة؟
-ظننته يمزح فزجرته أمام عمتي وزوجها وابنتها:
-كيف!
-وعدتني بخصوص...
قطع كلامه .... ففهمت في الحال مايقصد وفكرت بإبعاده عنهم حتى تلك اللحظة لم أنفذ شيئاً من وعودي، بل نسيتها تماماً! نسيت عهودي لشذى وافتخار ونصار... ولولا كلام نصار لماتذكرت.
-لا... لم أنس... هل ستذهب إلى مجلس الأربعين؟
أدرك قصدي فابتعد عن الحديث عما جاء من أجله وقال:
-إنه مختارنا يا كاكاحمة؟
-إذن انتظرني هناك... مع السلامة...
ذهب نصار فاقتربت شذى مني مستغربة..
-لِمَ طردته؟... ماذا بينكما؟... ماذا أراد منك؟
-لم أطرده، نصار رجل طيب... ولو كنت تصلحين لزوجتك له...
-إنه أكبر من أبي!
ردت بسرعة وأضافت بدهاء همساً:
-هل كلمك عني هو الآخر؟
فطنت لمكرها، وتذكرت ورطتي فاعتذرت:
-لم أر موسى بعد..
فنددت كذبتي بقولها الجسور والمباشر:
-عجيب! أيهما الكاذب أنت أو ابنة أختك حنان؟
جاءت إلى المحل عقب حديثك... قالت: إنك وعمها موسى تجلسان في الحديقة...!
أحرجتني وزاد حرجي حين نددت نظراتها الصارمة بتصرفاتي... وأمعنت في التنديد بي حين أكملت:
-لماذا سكت؟
ألقيت مابيدي، ونظفت ملابسي من التراب، وتذرعت:
-تعبت... سأذهب لأرتاح في البيت...
-ومجلس الفاتحة؟
-مازال أمامي في ساعة...
تركتها في حال لا تحسد عليها، من الخيبة وسوء الطالع، وتوجهت لمشاركة أمي ومساعدتها في تعليم هدهد، غزل الصوف بالمغزل اليدوي البسيط... ثم خرجت صوب الحديقة قضيت بقية الوقت مع أقفاص الدجاج، وراقبت أمي وهي تجمع البيض بفرح لا يوصف... رتبت زهوري... وجلست قرب هدهد على الحصيرة، انتظر حلول المغرب، ليتسنى لي الذهاب إلى المسجد... ليس من أجل العشاء-الذي ينتظره الأهالي بشغف-ولا من أجل حديث الملاّ فهو بالتأكيد سيدور عن الراحلة وسيرة ابنها المختار المبجل، وقصة حياتهما وتعداد مناقبها ومناقب ذويهما... كل ذلك لم يكن يهمني بشيء قدر اهتمامي بخاتمة المجلس، إذ تعود أن يبهرنا بمعجزات السماء، وفضائل الرسول المصطفى وآل بيته الكرام.
قبل الوقت المحدد لبدء المجلس، توافد الأهالي، تجمهروا أعداداً غفيرة خارج المسجد، بعدأن اكتظ الإيوان... بعد دقائق من وصولي، أحسست بالغثيان... كدت اختنق لم أحتمل البقاء... خرجت إلى الساحة، استنشق الهواء النقي... ولم يحتمل الملاّ أيضاً لكنه لم يستطع الخروج... حرارة الجو المزدحم والصخب الدائر وكبر السن، اجتمعت معاً وأثرت عليه... هاجمته دفعة واحدة فتهاوى.
|