رد: العصفور والريح
بحثت خلف التل بأمل رؤيته مع أغنامه فلم أر له اثراً ! وتوجهت إلى المقهى فلم أجده ! ولم يعد أمامي إلاّ بيت المخرف، فقصدته دون تردد .
فتحت لي بشيرة . قالت والدمع يترقرق في عينيها :
-لم يأت عيسى بعد .
لم آت من أجله .. أريد موسى .
صحت بها، فارتبكت . مسحت دموعها وتمتمت :
-مازال نائماً.
-أيقظيه .. قولي له أن كاكا حمه يريدك ..
لم تتطفل بشيرة فتسأل عما أريده من موسى ولم يدهشها إلحاحي على إيقاظه وكذلك لم أسألها عن سبب دموعها .
رفضت دعوتها بالدخول، وانتظرت تحت العريشة .
وما هي إلاّ ثوان حتى ضجت مسامعي بصراخ المخرف :
-ماذا يريد ؟ ماذا جاء يفعل ؟ ليدخل ... أريد رؤيته ... اعتقدت أن بشيرة أخبرته بمجيئ . لكن حنان جاءت لتخبرني برغبته، أقسمت بلسان أمها :
-جدي .. شم رائحتك ..أمي لم تفتح فمها .
دخلت مرغماً، فوجدته يتمدد على الأريكة .
ما إن رآني حتى استوى جالساً . خزرني بعينيه المتقدتين وخاطبني بمقت وكراهية :
-ألم تسمع المثل " لا تكثر من زيارة بيت أمك وأبوك حتى لا يكرهوك " ؟
-لم أت لأكل .. فنم ولا تثرثر ..
-ما الذي فعلته أمس بالبكر ؟
-أتريد أن أفعل لك مثله ؟ اقتلع فحولتك ؟ انفعل فتحدث بغيظ :
-قلبت القرية رأساً على عقب ! ماالذي جرى لعقلك ؟
لا حديث للناس إلاّ عنك !
-الناس ! ألاتيعرف أنهم أهل بلاء، لايكفون عن الثرثرة ! مثلك تماماً ! ماذا سمعت وأنت لم تغادر حظيرتك ؟!
-اجلس لأخبرك ...
-لا وقت لديّ .. جئت من أجل موسى ... سأنتظره في الخارج .
-أتراك زعلت !
-لا أحد يزعل من المخرف ... لا أحد ..
ازداد انفعالاً وصرخ :
-يامجنون .. جلدك يحكك ... أتهينني في بيتي !
لم أسمع بقية شتائمه . اندفعت خارجاً نحو الحديقة فلحقتني افتخار .
-ما به عريس الغفلة ؟
استكرهت الرد عليها . التفتّ صوبها فأدهشني رؤية الحزن يقطر من عينيها المكحلتين، الشبيهتين بعيني الخالة رباب !
-المخرف، أبو بولة ..
-عيب يا كاكاحمه .. لا تظهر الشماتة لأخيك قد يعافيه اللّه ويبتليك ..
نهرتني مقاطعة فخرست .. لم أشأ ردعها ... فمازلت حزيناً لحزنها .. صحيح أنني آلمتها، قسوت عليها . وما كان أمامي حل آخر . تسببت في أذيتها رغماً عني، ولصالحها . فأنا أحبها ولا أريد لها أن تشقى وتتعذب مثلما أشقى وأتعذب فسأرزح تحت أثقال من الهموم، قبل أن أمضي خفيفاً مثل الحلم .
-كيف هي أيامك يا حبيبي ؟
-رائعة ..
-أتلبي هداية رغباتك الجامحة ؟
-استحي يا افتخار ... عيب عليك، أن تكلميني هكذا عيب أن تتحدث فتاة مثلك بهذه الأمور ... ضحكت .. وأثقلت عليّ العيار أكثر :
-ما دمت مرتاحاً لبنت مصطفى ومادام لهداية مَجَاسّ . فعسى اللّه يظللك بالسعادة .. وألف مبروك...
بدا جلياً أن افتخار لم تزل تعيش قهر إحباطها القاصم، إثر رفضي الزواج منها . وخشية أن تستمر حالتها، وتتفاقم أزمتها بمرور الأيام، سألتها :
-أتقبلين بنصار زوجاً لك ؟
|