رد: العصفور والريح
كانت تحمل بيدها عصا رفيعة، طويلة . أثارت فضولي :
-لمن هذه ؟
سألتها فضحكت :
-لا تخف .. ليست لك ... وإنما لفأر قذر، في المطبخ ..
-الفأر لا يقتل بعصا!... تنفعك المقشة .... والمصيدة تنفعك أكثر ...
-وأين أجدها ؟
-رأيت واحدة في حظيرة المختار ... يمكنك استعارتها.... حاولت الدخول فباغتتني بسؤال قاتل :
-لماذا وجهك أصفر يا كاكاحمه ؟
ابتسمت مراوغاً وداعبتها، تهرباً من الإحراج :
-عندما أراك يصفر وجهي !
-صحيح، هذا ما يحدث للشيطان . فما أن يرى أحد الملائكة حتى يصفر وجهه ...
ضحكت لردها السريع وأعجبت بذكائها .
أدخلتني إلى الصالة . وهناك وجدت الحاج صالح متربعاً، على فراش صوفي سميك، يتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم .
سلّمت فحنى رأسه مرحباً . وأشار إليّ لأجلس، ففعلت، واعتصمت بالصمت حتى انتهى ...
كان الحاج في الخمسين، قصير القامة، هادئاً إلى درجة عجيبة قياساً إلى عمتي . لحيته البيضاء المدورة ذكرتني بما سمعته من مجيد، حول الرجل الذي انخرط باكياً في المسجد، حالما اعتلى الشيخ القارئ المنبر . سألوه : علام تبكي ولم يبدأ المجلس بعد ؟! ولم يتفوه الشيخ بكلمة ! فأجاب بعينين دامعتين : تذكرت سخلتي المتوفاة .. لحية الشيخ تشبه لحيتها !
-أهلاً بك يا كاكاحمه ؟
لم يكن لدي وقت أضيعه، لذلك بادرته قائلاً :
-جئتك من أجل الدكان ؟
دهش، فرك ذقنه وسأل ببرود :
-أي دكان ؟
ظننته يسخر فأجبته بحدة :
-دكانك يا زوج عمتي .
ابتسم باستخفاف وعاد يسأل:
-وما به ؟ ألديك اقتراح بشأنه ؟
قبل أن احتد لحظت الاهتمام في عينيه، فأوضحت :
-نعم، يجب توسيعه .
-توسيع المحل !! هل تمزح ؟
-لا .. سنضيف الجانب الأيسر من البيت إليه، لتوسيعه وتنشيط حركته التجارية .
حدجني بنظرة طويلة، وابتسم من جديد . بدا مدهوشاً وكأنه هجس " سخريتي "
جلبت شذى القهوة . عادت تحمل صينية معدنية، مستطيلة . عليها دلة صغيرة مع ثلاثة فناجين .
جلست قربي . صبت لنا في حين راح الحاج يتطلع صوبي، متمنياً تصديقي . ثم راح يحتسي قهوته ... وأخيراً استفسر كمن يجس النبض، ويتيقن:
-عنّ تتكلم يا بني ؟ ألا تعرف وضعنا ؟!
-أعرف .. جئتك مشاركاً . سأبني لك محلاً جديداً .. تكتظ رفوفه بالبضائع، بكل ما تحتاجه القرية ... سأشاركك بثلاثمائة دينار، وأنت بجهدك . وحتى لا نختلف فيما بعد .. سأخبرك بشرطي .. سآخذ ربع الربح ولك الباقي..
|