رد: العصفور والريح
11 -
للمرة الثالثة منذ استيقاظنا، لاحظت أصابع هدهد تنسل خفية وعلانية وتروح تجسني جساً ! تتفحص وجهي، خدي الأيمن ثم الأيسر، صدري وبطني و ... ! لم اهتم في المرتين السابقتين . لكنها أثارت فضولي في المرة الأخيرة . راقبتها بعجب . فقرأت الاستغراب على وجهها ! حاولت الاستفهام عما تنشده، فسبقني سؤالها .
طرحته بحياء كمن يكلم نفسه :
-يا إلهي، أتخدعني بناني ؟!
-ما بك ؟
-... .
لم يتسن لي مطالبتها بالتوضيح، إذ عادت تقول بذعر :
-رأيت الحلم من جديد!
-أي حلم ؟!
اصفر وجهها، انكمشت وتمتمت :
-سقط نابي الكبير العلوي !
اشتعلت غضباً، فالتقطت خصلة من شعرها، وسحبتها بقوة، أفهمتها :
-إذا زارك الحلم مرة ثالثة فلا تخبريني به .
-حاضر يا بن عمي ... حاضر .. لكن .. من هو أزرق برلين ؟
-أزرق برلين !! كيف عرفت ؟
-سمعتك تقول في المنام .. الفضل لأزرق برلين !
-صحيح ..الفضل له .. فهو صديق .. أنقذني من موت محتم .... لفت ذراعيها حول عنقي واحتضنتني . امتزجت روحي المعذبة بروحها، وذبنا في نشوة عارمة، قبل أن تتناهى إلى آذاننا زغرودة مدوية .... وأعقبتها هلاهل أمي الصادحة، المعبرة .
-جاءنا ضيوف...
همست في أذن هدهد ... التي أذهلتني، لم تأبه بكلامي فحسب، بل راحت تتحسس أعضائي من جديد، وكأنها تريد الاطمئنان على شيء ما !
وحين أعدت الهمس تنهدت بضجر :
-من يشرفنا في هذا الصباح ؟
تنصتّ فسمعت صوت أمي، وهي تحدث عمتي مليحة .
حدست أن وراء قدومها المبكر سبباً وجيهاً، غير مباركتها زواجي . تمنيت أن يكون الحاج صالح -العطار المؤذن-معها .
ففي رأسي فكرة تنفعه، وفي جعبتي حديث طويل يخصه .
بعكس ما كان أبي هادئاً مسالماً، كانت عمتي ثرثارة مشاكسة " تشتري المشاكل بالمال " ... معركتها الأخيرة مع الخالة رباب غدت حديث كل لسان، فبعد صداقة امتدت لأكثر من ثلاثين سنة، اختلقتا في أشياء تافهة ... على إثرها شنت عمتي حملة شعواء ..نقلت افتخار لي بعضها ..
" لا يغرنكن وجهها الملطخ، انظرن إلى رقبتها المجعدة ... إنها ما تزال تنام عارية بحضن الملّا حتى لا يطلقها، كزوجته الأولى .
رباب لم تسمع ديك الفجر مرة ولا تعرف صلاة الصبح ... لم تؤدها مرة واحدة ..تظل نائمة للظهر ... ويضطر الملّا إلى تسخين الماء بنفسه والشطف قبيل الفجر حتى يذهب إلى المسجد .. "
-ارتدي ملابسك .
قلت لهدهد وأنا أترك السرير .
انذاك برز طيف عمتي الصغيرة " بتول" . تذكرت يوم زواجها وهو اليوم الأخير الذي وقعت عيوننا عليها .
كان أول خميس من آذار . وقبل زفافها إلى بيت المخرف .. عروسة جميلة ليوسف . الذي عمل المستحيل لنيلها، وإقناع أبي ...
|