رد: العصفور والريح
اعترض بخبث . فتابعت غير عابئ بمعارضته . نزعت سرج البغلة . رميته بعيداً وصحت به :
-أنت الذي ستؤجل أعمالك ... تعال معي ... هيّا ... مددت يدي، أعاونه لينهض فاستفسر ملتاعاً ...
-إلى أين يا كاكا حمه ؟ ماذا تريد ؟
-سترى بأم عينيك ... فلا تخف ... قلت لك أريد مساعدتك ... فأبق .. احتاجك لتساعدني ... استغرب، وقال ساخطاً :
-أساعدك !! بماذا يا كاكا حمه ؟
-لا تستعجل .. اذهب الآن ... احضر لي خيطاً سميكاً ومخيطاً كبيراً ... ولا تنسى أن حريتك، حياتك بيدي . وسجنك رهن إشارتي ...
بهت . دارت عيناه دهشة .. وتكلم ونظره في نقطة غير محددة:
-ماذا ستفعل بهما ؟
سعدو الخبيث، المتهم بسرقة وكالة الآغا، والذي أنكر دين أبي كان وسيبقى أكثر أهل القرية موضع ريبتي وشكي ...
-اجلبهما لي بسرعة ... وسترى نفعهما .. هيّا اذهب وإياك أن تتأخر .. سأنتظرك عند شجرة الجوز .
ساعدته في لمّ حاجاته .. وتردد في الذهاب، فدفعته ... حدجني بنظرة ذعر ومضى ....
لا حقته بنظراتي، وأنا اتجه إلى الشجرة ... ورغم معرفتي بخبثه وإمكانية غدره إلا أني كنت واثقاً من عودته ..
تفحصت القضبان والمسامير المحكمة الإثبات . ولما داخلني الاطمئنان توجهت إلى بيت السلماني ...
غدا معروفاً للجميع ولع الشاب المستهتر حسان، في دفع ثورة البكر للتحرش ببقرات القرية، بحجة إخصابها . ولأنه بدأ يتحرش بعزيزة -بقرة سعدو المدللة -وانتقاماً لما فعله بعم مصطفى، وخشية أن يكرر فعلته بالبقرات الثلاث اللائي سأشتريهن له، فكرت بحسم الأمر .
أعجبتني شجاعة عم مصطفى، حين وقف بوجه حسان . صده بحزم وأهانه . تلاسن معه وكادت تنشب بينهما معركة حامية، لولا تدخل المختار .... فض النزاع حين أيقن عدم جدواه وبعدما أدرك أن عم مصطفى لم يتردد في خوضها دون خوف ... مما شجع حسان على الاستهتار أكثر، وزاد من غطرسته . فأخذ يرسل ثوره، يقوده إلى حيث ترعى البقرات، مما ولدّلهن جروحاً دامية، أثرت في مردود الحليب . وبالتالي ولّد لعم مصطفى خسارة يومية . لم يتخلص منها إلاّ ببيع مصدر رزقه اتقاء للشر وتفادياً للمواجهة المحتملة .. مع حسان ..
لم يشف غليلي ذلك الجرح البسيط، الذي أحدثته في رقبة السلماني . تمنيت معاودة الهجوم وحز رقبته بالكامل، قطعها .. ورميها للكلاب .. لن أنسى ما حييت ما فعله بي، إبان سلطته وعمالته لنظام العصابات التي نصبها الانكليز انتقاماً من شعبنا . بأمره تم حجزنا -أنا وأحمد وموسى -في كوخ صغير لمدة أسبوع بتهمة مساعدة الأنصار .
وكان قد غطى أرضيته بالماء بعمق متر. فتقززت رئتا أحمد . فأخذ يصرخ متألماً، يبكي ويتوسل، فأخرجوه وساوموه . فرضخ ووقع عهداً بالوفاء والإخلاص للسلماني، وتعهداً بخيانتنا . نفذه بعد شهر .. وكانت السبب في ذبحه ..
منذ يوم الاحتجاز نبعت فكرة الانتقام في صدري، وترسخت في ذهني ... واختمرت بمرور الوقت .. ورحت أترقب الفرصة المناسبة للتنفيذ ..وهاهي تتاح لي .. الآن ... أدبت السلماني أخذت حقي ... فجاء دور حسان ... لم يطمئن قلبي له بعد ...
مشيت بخفة وسرعة، إلى حظيرة السلماني . كان الوقت ظهراً وحمودة كالعادة يتواجد في هذا الوقت، مع حسان في الوكالة .
|