رد: العصفور والريح
كان بيتنا القديم المهجور بسبب الجن لصق بيتها .
الأمر الذي ظل يغرينا -أنا وبشيرة -على التفنن بسرقة دجاجات العجوز التي ولعت بتربيتها . إضافة إلى الاستحواذ يومياً على حصتنا من البيض الكثير، والمتراكم .. كنا نبتكر من أجل البيض ما لايستوعبه العقل ... نبتكر خططاً جهنمية لنيلها ! نتسلل، نحفر، نتخفى، نخلع القفل والمزلاج، نكسر الباب، نزيل عيدان السور وخشبه، نعمل فتحة، أو نثقب الصفائح الجدارية ! . وأخيراً أهتدينا إلى حل إثر الحصار الشديد والمراقبة الصارمة ...
كنا نربط حبة " قمح " كبيرة أو " ذرة " بخيط وندليه من السطح .. وننتظر أن تتكرم علينا دجاجة غبية وتلتقطها. مما يسهل علينا سحبها إلى الأعلى ..نصعدها بسرعة عجيبة ونذبحها بعيداً عن عيني خجة اللامعتين .
كنت أحب الجد أكثر من العجوز، أخت جدتي .. وزاد حبي له حين لقنني درساً لن أنساه، به ختمت فصول السرقة . إذ لم أمد يدي بعد ذلك إلى شيء لايخصني .. مازلت أذكر كل شيء بالتفصيل ... فذات صباح ماطر، تسللت كعادتي لأخذ البيض. بعد أن تأكدت تماماً من سلامة موقفي .. فالكلب غداً صديقي ... يعرفني ويتشمّم رائحتي عن بعد، ويهز رأسه مرحباً بقدومي .. لا يمكن أن ينبح ويثير ضجة تتنبه إليها العجوز قبل الجميع .. كما أن هدأة الفجر والخيط الأسود، وسكينة الدجاج، كانت تساعدني إلى حد كبير، مع خفة الثعلب الماكر التي أتقنتها . تسللت بيقظة وحذر وملأت جيوبي، تماماً كما أفعل كل يوم . وهممّت بالخروج، فإذا بي أباغت بعصا الخيرزان تعترضني ! ثم ظهر الجد بملابس النوم وبشعره الأبيض الحاسر وبوجهه الصارم ....وبدا واضحاً أنه كان يراقبني منذ لحظة وصولي ... خفت أن يضربني أو يوبخني ... لكنه لم يفعل !
حتى أنه لم يسألني عما أفعل هنا وكيف دخلت، ومن أجاز لي الدخول . لم يبدر منه ما ينبئني معرفته بالسرقة ..!
بكل طيبة وذكاء ودون أن يجرح شعوري -وأنا ابن الاثني عشر ربيعاً -مازحني ليخفف من رهبتي ... ثم تعمد كسر البيض في جيوبي ! ففي غفلة مني لطم جيوبي الممتلئة براحة كفيه، بحركة سريعة قوية مباغتة .
ومضى دون كلام ! ابتعد عني ساخراً في أعماقه وتركني في موقف لا أحسد عليه . لقنني درساً بليغاً لن أنساه ما حييت . وأكمل أبي الدرس . حيث لقنني " فلقة خالدة " بسبب ملابسي الملوثة بالبيض . والتي لم أكن أملك غيرها
وأيقنت حين عرتني أمي ودثرتني ببطانية سوداء، وتطوعت بشيرة لغسل القماش القديم، الذي لم يجف بسبب البرد إلا بعد ثلاثة أيام، أيقنت أن الجد لم يتركني عبثاً .. بل " كلف أبي " ووكله بمهمة الحساب، دون أن يتدخل أو يفتح فاه ..
ترحمت على روحه وروح الجدة " أم شوارب السخلة " وعلى روح صديقي أحمد . ثم فتشت عن الحبال والمسامير والمطرقة الخشبية الكبيرة، أخذتها مع أربعة قضبان حديدية قصيرة . حملتها صوب شجرة الجوز الضخمة . الواقعة على يمين بيت السلماني ..
اخترت المكان المناسب . نظفت الأرض جيداً بحذائي وبيدي، وثبّت القضبان والمسامير، وجلست لأستريح فارتفعت في تلك اللحظة زقزقة العصافير وهي تكبر للإله . ومن ثم وهي تحوم بين الأغصان والحشائش .
هدني التعب وتقيأت . وعاودني الصداع فغفوت .
مرّ أحمد وأمه وجدته مع أختها وأبي وأخي رحيم، وهبة وخالد أمام عينيّ مروا يضحكون ويبكون في آن واحد ..!
عجبت . أردت سؤال الباكين عن سبب بكائهم، والضاحكين عما يضحكهم فلم أقدر . إذ نهضت على صوت هادر رن في أذنيّ :
-ماذا تفعل هنا ؟ ما بك ؟
فتحت عينيّ بصعوبة، فألفيت أمي تقف على رأسي هلعة مستلبة . قبل أن تنحني عليّ متسائلة :
-ما هذا ! لماذا جئت إلى هنا ؟ لماذا ؟
|