رد: العصفور والريح
-7 -
على مائدة الفطور الزاخرة، الغنية بالبيض والزبدة والمربى والجبن والحليب، قالت أمي دون مقدمات :
-أوصيت على عشرين دجاجة .... سأملأ بها الأقفاص، بناء على رغبتك
-حسناً تفعلين ..وسأشتري لك ثلاث معزات .
دهشت، وعبرت عن ذلك بلسان خائف :
-من سيتولى رعايتها وحلبها ؟
-سيرعاها موسى وتحلبها هدهد ..
اطمأنت وتحمست :
-سيفيدنا حليبها .. سيغنينا عن شرائه .. وما سيفيض عندنا نبيعه ..
-لا .. سنهبه إلى بيت عمي مصطفى، إلى حين عودة بقراته . لم تجادل . أبدت موافقتها واقتناعها :
-كما تريد يا بني .. إنها فكرة جيدة ..
-هيّا بنا إليهم ... علينا تهيئة كافة المستلزمات ... اعترضت بإشارة من يدها؛ واحتجت :
-دعني أكمل فطوري .. الوقت مازال مبكراً ...
-أنت تثأرين من جوع قديم يا خجة ! تأكلين منذ ساعة ولم تشبعي !
مازحتها فأبدت مخاوفها :
-وأنت لم تمد يدك بعد !
-أنا أكلت وشعبت .. والحمد للّه ...
-أتظنني غافلة عنك .. راقبتك منذ يومين .. وأنت لست على ما يرام .. على غير عاداتك وطباعك ... ولا تنكر .. فقلبي دليلي .... ربع ما كنت تأكله سابقاً لا يدخل معدتك ! وبشيرة أخبرتني بأنها رأتك تتقيأ ما أكلته عندهم !
-أكلت البيض البارحة ..
-عند الملا ! أخبرتني رباب إنك أكلت نصف البيضة ! ولم تذق الفول ...
مسني الندم على ذهابي ومشاركتهما في الفطور استكرهت دناءه نفسي واحتقرت رباب
-ما أدق أخبارها ! وما أذلها ! مراقبة الضّيف والتدقيق فيما أكل وشرب، عيب . ... عيب .. وعار ..
-لا يا بني .. لا .. رباب بنت ناس . وطيبة النفس .
-سأدفع لهما ثمن ما أكلت .. وعدت الملا بذلك ... ثم أني آخذ كفايتي من الأكل ...
أوضحت لها ودخلت غرفتي ..
وقفت أمام المرآة . ألقيت نظرة شاملة على جسدي تطلعت إلى وجهي . وعاينت موضع العضة . كان الورم يخف تدريجياً ..
جلست على السرير أراجع ما نفذته، وما يتحتم عليّ تنفيذه . فوجدت أمامي قائمة طويلة من المشاريع . وطرحت أفكاراً عديدة جديرة بالاهتمام .. سألت اللّه أن يعينني على إنجازها، وأنا اتجه إلى الحديقة .
قلبت الأرض تمهيداً لشتلها بالورود . وغسلت الحظيرة غسلاً . ثم نظفت الأقفاص وجددت شباكها المعدنية .. وحين انتهيت كان النهار قد انتصف، وارتفع آذان الظهر ...
أعدت رغبتي في الذهاب لكن أمي راوغت وماطلت، حتى العصر .. فما أن حانت الرابعة حتى أبدت حماساً ... !
قدتها إلى بيت عم مصطفى . فبوغتّ بأن هناك من سبقني بالقدوم ! وجدت الملاّ عطا اللّه، وعبد اللّه المختار وعمي حسن وزوج عمتي الحاج صالح، ويحيى مع إخويه يوسف وموسى، ونصار ينتظرونني !
في الحال ربطت بين مماطلة أمي وتعمدها التأخير، وبين حضور هؤلاء وشممت رائحة اتفاق مسبق،جرى خلف ظهري ! لم أبال وراحت عينياي تفتشان عبثاً عن عيسى .. بأمل رؤيته بينهم .. علّه عاد وحضر معهم .. !
رحبوا بي، سألوني عن صحتي وأقنعوني بإتمام العقد على يد الملّا . بعد اعتذاره لي عما بدر منه في الليلة الفائتة .
|