رد: العصفور والريح
ضحكت .. وسمعت من يوبخه ..
-عرفان !! أدخل ..
شاهدت الخالة أمينة وبجوارها عم مصطفى، يقفان عند الباب، وعلى وجهيهما لاح الذهول .
أخذ الأب يدي بالرحاب . وأدخلني غرفة الضيوف الصغيرة . وتبعتنا زوجته ..
جلسنا على الأرض . حيث مدت ثلاثة فرش قطنية، وعدة مقاعد ومساند،على بساط صوفي مزركش جميل، فوق حصيرة نايلون . ومن السقف تدلى المصباح الزيتي معلقاً بنهاية سلك معدني طويل . وشرّعت النافذة الوحيدة على مصراعيها رغم النسيم البارد . وأزيحت جانباً الستارة السميكة، المطرزة حوافها بدقة ! فبانت السماء صافية وظهرت النجوم لامعة بوضوح كبير . فأنشددت إليها فرحاً مدهوشاً .
-أهلاً أبني ... أهلاً ..
قالت أمينة وهي تتربع أمامي مباشرة . بينما جلس الأب على يميني ...
رأيت الأحراج ينطبع على ملامحه وهو يسألني ....
-أين الملاّ والجماعة ؟
كانت الرعشة ما تزال متحكمة في مفاصلي، لذا كان صعباً عليّ أن اضبط نفسي وأهدأ خاصة بعد سماعي اسم الملاّ . اكتفيت برد مقتضب :
-لن يأتوا ...
لفه الاستغراب وانقبض قلب الأم . اصفر وجهها بشكل مقيت .
أدركت دون عناء، أنها فهمت من ردي شيئاً خاطئاً، لايطاق . مما استوجب تبديده دون تلكؤ :
-هدهد ستصبح زوجتي الليلة، إن شاء اللّه .
أشرقت ملامحها . بان على محياها الفرح . وهتفت بعينيها السوداوين المكحلتين .
-خجة، أعلمتنا بذلك . ونحن ننتظر قدوم الملا والرجال ...
تجاوزت أمينة الأربعين قبل خمس سنوات . لكن طولها لم يتجاوز المترين، وكتلتها اللحمية تخطت الثمانين كيلو غراماً . ومع ذلك لم تزل بنظر الجميع جميلة فاتنة، ساحرة . وربما أجمل نساء القرية على الاطلاق ..وعلى العكس منها كان مصطفى . نحيفاً كعود القصب . لا شعر له أمرد أملس، سوى لحية بيضاء تغطي ذقنه البارز . أظهرته بشعاً إلى حد مقبول في الرابعة والخمسين . وعلى هيئته استنسخ الملائكة بأمر اللّه ابنه غفران ! بينما أخذت هدهد صفات ومحاسن أمها . ولولا العمى الذي أصابها إثر جريمة الجنود لما سهل التمييز بينهما ...
-لم يأت الملّلا معك !
عاد الأب إلى إلحاحه . فأضجرني :
-قلت لك : إنه لن يأتي .
ذهل، واتسعت عيناه دهشة وحياء .
وازداد ذهولاً واستغراباً حين استرسل لساني :
-رفضت أن يعقد قراني على هدهد شخصاً مثله .
-لماذا ؟ !
نطقت أمينة بحيرة وهلع . وكرر مصطفى سؤالها .
-رفضت الملا أمام الجميع ... في المسجد .. لاثقة لي به ... لاثقة ..
-ولأنه يتعذر عليّ إيجاد البديل في هذه الليلة، جئت اقترح عليكما أن تساعداني ..
-بماذا يابني ؟
خيم السكون انتظاراً لجوابي .
بدا عم مصطفى أشبه بالخائف مني، وغير الواثق من تصرفاتي . فضحكت في سري .. مددت يدي إلى جيبي . تلمست الأوراق التي تخصه . داخلني الأمان لسلامة عقلي، ومتانة موقفي ...
تطلعت إلى وجه أمينة . فهالني رعبها وتخوفها المنتظر مما سأقوله . نقلت بصري صوب المصباح الزيتي، وأخيراً نحو السماء . لمحت النجوم المنتشرة وكأنها قلادة لؤلؤ على صدر زنجية !
حدقت في نجمة مضيئة، حسبتها قمراً صناعياً . وبقربها رأيت نجمة أخرى أكثر ضياءً . في كل منهما رأيت وجهاً مختلفاً .. شاهدت " سناء " باسمة مغتبطة، وعمتي " بتول " ساهمة حزينة .
|