رد: العصفور والريح
عيب، يا كاكاحمه، هذا الذي تفعله عيب..
نهرني يوسف ابن المخرف. وكان يجلس على بعد خطوات فرفست الأرض وصحت به:
-اخرس يا حقير..
وبحركة سريعة، حملت رزمة الدنانير وقذفتها في وجهه. فجأر وزمجر. وسمعت يحيى يوبخه ثم يزجره:
-اسكت.
وبينما التزم الجميع الصمت، وراحت العيون تتطلع إليّ، تحدق فيّ بذهول، تجمهر أكثر من عشرة رجال فوق رأسي، خشية " تهوري " .مما أشعرني بتعاظم الجو العدائي .
فنهضت محاولاً الخروج، يتلبسني البغض .
أفسح المتجمهرون الطريق لأمرّ، فأمسك الملاّ بساقي، ليسمع مني كلمة اعتذار ترد له هيبته .
ولم أبخل . صحت بأعلى صوتي، لأعيد الاعتبار لنفسي :
-اللّه مكنني من استرداد حقي . السلماني بعث أبنه ليسلمني المبلغ . وها هو بينكم فأسألوه .. وجئت أتبرع به لبناء المسجد ... ولم أهبه للملأ ليتزوج امرأة ثالثة .
ارتفع اللغط والصخب، وتعالت عبارات السخط والاستنكار . احمر وجه الملا، وانتصبت لحيته الحمراء . وعاد يتوسل :
-انتظر .. سأتي معك ...
-لا ... ابق في محلك يا عطا اللّه ..مثلك لا يصح أن يكون إماماً .. أنت تتشكك حتى في نفسك .. وتوالي السلماني ورهطه دون حق .. سأذهب بمفردي ... وإياك أن تأتي بعدي .... إياك .. ولعلمك، ألغيتك من بالي تماماً .
-لا .. يا بني .. لا .. أنت لم ...
لم أسمع بقية كلامه . خرجت وفي صدري يتأرجح لهيب الغيظ، وفي رأسي يدور صداع .
ابتعدت بضع خطى ثم استدرت والرعشة تسري في دمي .
تذكرت أمراً بالغ الأهمية ..
صوبت العيون أنظارها إليّ، وأنا أقف عند الباب وأصرخ :
-اسمع يا عطا، قررت إلغاء مساهمتي . لن أتبرع بشيء، فالذي يعوزه البيت يحرم على المسجد . كما أني فطرت عندك اليوم، صحن فول وبيض . وسأرد لك ثمنه .
قهقه المختار، وتعالى الصخب والضحك . لم أبال ... أسرعت خارجاً، فواجهني ظلام أول الليل الباهت ولفحني نسيم عليل، بارد ...
اندفعت إلى بيت عم مصطفى، تعصف بي حمى الرغبة، للقاء هدهد ورؤيتها .. وفي ذهني تختمر الخطط ويتفاقم ولعي الشديد بها . ويزداد تصميمي على تنفيذ ما قررته، أثناء رقادي على سرير المستشفى أو أثناء سيري الطويل في طريق العودة،
استقبلني شقيقها الصغير عرفان بالصياح :
-كاكا حمه وصل ... وصل ...
انحنيت لأقبّله فدفعني قائلاً :
-رح " بوس " هدهد .. رح ..
|