رد: العصفور والريح
ولم طلبتني أنا بالذات، دون غيري؟!
-إضافة إلى صلة الرحم، يقال: أعط خبزك للخباز حتى لو أكل نصفه..هل توافق؟
شبك أصابعه ونظر إلى الأفق. زم شفتيه، لحس لسانه شاربيه وقال:
-إنه لأمر يستحق التفكير، مادام السمك في مائة..
-كفى.. لا تتفلسف.. إذا لم توافق فأمامي الكثير من الرجال.. وأولهم سلطان.. وهو على استعداد ليكون خادماً لي.. لا شريكاً..
-موافق.. موافق يا كاكاحمه..
-على بركة اللّه.. هيّا شمر عن ساعديك.. لنبدأ الآن.
-أنت بحاجة للراحة فلا تتعب نفسك .. ثم إن العمل صعب وشاق.. لن نقدر عليه وحدنا.. يستحسن أن نطلب المساعدة..
وجدت كلامه مقنعاً فشئت الحركة:
-سأطلبها من الأصدقاء.. سأسألهم إن كان بمقدورهم تقديم يد العون لنا.. انتظر لن أتأخر..
وقف بوجهي معترضاً وناصحاً:
-إلى أين؟ دع الشمس تشرق أولاً.. وليفتح نصار مقهاه..
رن اسم نصار في دماغي! تذكرت "هبة" الزوجة التي خانته فقتلها.. و"إلهام" الغريبة التي وشت به فسجنته..! تساءلت مع نفسي: لماذا لا يعود إلى مهنته الأصلية كبناء ليربح أكثر.
-صحيح!! ماذا دهاني؟
-تمدد وارتح.. وسأتلهى أنا..
قال وهو يأخذ منجلي. وقبل أن يشرع في العمل طرح فكرة مدهشة:
-سأدع موسى يأتي بأغنامه ليرعى بها.. حوافر الخراف والماعز ستحفر الأرض، وستترك مخلفاتها العضوية كسماد لازم..
رحنا نعمل بجد حتى الثامنة صباحاً. حين قدمت أمي تحمل لنا طعام الفطور:
-لِمَ تتعب نفسك يا بني؟
أبدت أمي مخاوفها كأنها تعاتب يحيى، الذي أجابها:
-طلبت منه أن يعود إلى البيت فرفض..
-ماذا جلبت يا أمي..؟
أبدلت مسيرة الحديث بسبب إحساسي بالجوع. وفرحت حين سمعتها تعلن بغبطة:
-وجدت بيضاً وحلاوة تركية في دكان صالح.
-أراك عدت للشراء منه يا عمتي؟
مازحها يحيى فردت.
-نقدته ديناراً، فأشتريت نصف محله!
-هل أعطيته الدين يا أمي؟
-بفضل اللّه.. لقد فرح كثيراً.. لم يكن يتوقع أن ندفع له كامل الدين..
-ومن أين جلبت هذا الخبز؟
-جلبته بشيرة..
سكتت فجأة، تبادلت مع يحيى نظرات عتاب. واستمرت تكشف سراً:
-جاءت زعلانة.. قالت:
-اسكتي يا عمتي.. يرحم والديك.. ابنتك ما عادت تطاق. عملت لنا هوسة قبل الصلاة..
تلاسنا بهدوء.. عرض المشكلة من وجهة نظره وردته أمي بأدب. ولم أجد بداً من التدخل ونحن نأكل:
-طلقها.. وسأزوجك شذى.. ابنة عمتي..
نصحته فعلقت أمي بامتعاض:
-كل.. كل.. بدأت تجن .. المرض أثر في عقلك!
-ومتى كان لابنك عقل يا عمتي؟!
ضحكنا. راقبت أمي وهي تمسح دموع فرحتها، فتذكرت وجه الخالة رباب. وحتى لا أنسى ما خطر على بالي قلت:
-اسمعي يا خجة، يجب أن تربي الدجاج. لا يعقل أن يظل بيتنا مرتعاً لأولاد الجن.. سأبني لك قفصاً.. في الساحة الخلفية..
|