رد: العصفور والريح
اللّه أعلم.. كل شيء جائز..
-لعنة اللّه عليك.. لعنة اللّه..
بمعونته رحت ألبس ملابسي، وعيناه تتمعنان فيّ بحذر وشفقة.
-كيف أنت الآن؟ هل تشعر بتحسن؟
-لا شيء يؤلمني.. لاشيء.. جرح السكين ينخزني أحياناً.
-الورم طبيعي فلا تهتم.. لكن رائحتك كريهة! يجب أن تغتسل.
-قالها السلماني فحززت رقبته.
قهقه بصوت عال وسأل:
-أكنت تروم ذبحه حقاً؟!
حنيت رأسي بالإيجاب وأضفت:
-افتدى روحه بالمال..
أبديت قناعتي بما حدث. واسترسلت بما أذهله:
-وأنت ماذا جئت تفعل هنا؟
-ألم ترسل بطلبي.
-أنا!! متى؟
-أعوذ باللّه.. أخبرني الملاّ الآن..
-الملاّ!! إنه كاذب..
-استغفر اللّه.. ولم يكذب؟ ألم تكن عنده في..
-قلت لك إنه إنسان كاذب.. كاذب.. فلا تجادلني..
زعقت بامتعاض.. ثم سرعان ما هدأت.
-ما بك يا بن عمي..
-لا شيء.. لا شيء.. أنا لا أحب الملاّ ولا أثق به..
-ثمة شيء غريب في عينيك.. قل لي، عليّ أستطيع مساعدتك.
-ربما أرسلك الملاّ لتساعدني في تدليك جسدي..
نظر إليّ بارتياب وردد:
-حسناً.. حسناً.. قل لي أنت، ماذا تفعل هنا في هذا الوقت؟
-ماذا أفعل؟! يا لك من ساذج! إنها أرضي.. جئت لأنظفها..
-صحيح، سمعت أنك اشتريتها بالمنجل.. مبروك.. مبروك
-أتسخر يا يحيى..!
-أعوذ باللّه.. أعوذ باللّه.. أردت القول أنك..
-لا يهم.. لا يهم.. لقد جئت لأنظف أرضي. ألديك مانع؟ لم يبد عليه أنه تأثر بصراخي المقاطع لحديثه ضاعت عيناه بين الصخور المتناثرة والأعشاب. وصاح:
-هل ستزيل العاقول بالمنجل؟
-أتراه قاصراً.. هذا الذي أعاد الأرض وحز رقبة الآغا؟
أم أنك تريد أن أحشه بيدي!
-لا.. يمكنك إحراقه، النار أسرع وأفضل.
-ألا يدمر ذلك الأرض؟
استفهمت منه فقال:
-العاقول لا جذر له.. ويمكنك كنس الأرض قبل حرثها..
-إنها عملية شاقة يا زوج أختي..
رفض قولي: -دعني أنجزها.. لترى بعينيك..
أخرج علبة الكبريت من جيبه. استدار يصد النسيم، الريح الهابة ليمنع الهواء عنه، كي يشعل عود الثقاب فمنعته.
-لا تفعل. لا يحرق بقايا المحاصيل إلاّ الفلاح الجاهل.. فالنار لا تشعل في الأرض الزراعية.. لأن الحرارة تبدد البقايا العضوية.
هز يده مستخفاً واستهزأ..
-واللّه عال!! أي محصول هذا؟
قاطعته موبخاً:
-سأصنع منك فلاحاً عظيماً.. إذا بقيت حياً..
لا أدري كيف انطلقت الكلمات الثلاث من فمي، أفلتها لساني دون فطنة! مما أذهله فاستوضح على عجل:
-ماذا تقصد؟
سارعت لأتفادى هفوتي. قلت:
-السلماني الكلب قد يغتالني هو أو الجمولي.
-صحيح، الحذر واجب.. فهذا كلب بلا أسنان.. لا يستطيع حتى العض.. ولكن الغدر طبيعته..
|