رد: العصفور والريح
إنه ثواب كبير.. ستنقذ هذه المسكينة هداية من اليأس. "حين هوجمت قريتنا ودوهمت البيوت، وعبث الأوباش بشوف النساء.. وقتلوا أخي الصغير رحيم، وعبد الكريم الابن البكر لعم مصطفى مع اثنين من ولد المخرف وغيرهم. فقدت هدهد بصرها إثر ضربة ماحقة من أخمص بندقية جندي أرعن، على يافوخها.."
-يا لي من غبي! نسيت!
-نسيت ماذا يا بني؟
استفسر عجباً إثر صراخي المفاجئ فأجبته بهدوء:
-مطالبة السلماني بمصاريف الزواج.
-لا تشغل بالك بهذا الأمر.. سأطالبه أنا.. لكن، هل فكرت بالمختار؟ العجوز ماتت..
ما الذي يجري؟ ماذا حدث؟ أمي، افتخار، الملاّ! أمي مانعت، اعترضت لأنها تشتهي أن تكون "شذى" زوجة لي. وافتخار حاولت العرقلة لأنها تشتهيني، وتتمنى أن تكون زوجتي.. فما هو غرض الملاّ؟ ماذا يقصد هذا العاقر..؟ لو كانت له بنت لقلت إنه يريدني زوجاً لها.
-عمي عبد اللّه لن يمانع.. كلمته بنفسي، بشهادة السلماني.
-على بركة اللّه.
رددها مرتين، ثم ساد الصمت. رحت أمضغ الطعام بسكينة، وعيناي تجوبان الصالة، تتطلعان إلى الآيات القرآنية المذهبة والفضية المنتشرة على مدار الجدران. الهدوء العجيب، المخيم على بيت الملاّ أثار دهشتي. وعجبي الكبيرين. تذكرت سنوات الطفولة والصبا والشباب. وأقفاص البلابل والطيور الجميلة المختلفة الألوان والأنواع. تذكرت أعداد الدجاج والديكة الغفيرة، التي كانت تسرح هنا، داخل البيت وحواليه بكثرة. تذكرت موعظته في المسجد.
كنت صبياً ابن العاشرة أو الحادية عشرة، حين صحبني أبي مع رحيم إلى المسجد. وسمعنا الملاّ يقول "قال الرسول (ص): كثروا من الدواجن في بيوتكم ليتشاغل بها الشيطان عن صبيانكم" وأضاف شارحاً: إن المؤمنين يحبون أن يكون في بيوتهم شيء من الدواجن، مثل الحمام والدجاج. ليعبث بها صبيان الجن ولا يعبثون بصبيانهم..
وددت أن أسأله لماذا ترك عادته، وأفرغ أقفاصه. لولا أنني تذكرت قول نصار "عبث الشيطان في خصيتيه فعقرهما".
-وماذا قررت أن تعمل بعد تسريحك من الجيش؟
-سأبني مدرسة. وأعيد بناء المسجد.
-المسجد!! وماذا به مسجدنا؟
هتف فزعاً كمن أثيرت حفيظته. فأوضحت:
-سنهد هذا البناء القديم، ونبني ما يليق بك يا ملاّ عطا اللّه المحترم. رأفة بعمي حسن وخوفاً على المصلين. انتبه إلى جملتي الأخيرة فحدجني بنظرة غضب وسأل:
-ممن تخاف؟
-من الرياح والأمطار.
ضحك مستخفاً وقال:
-لا أفهم.
-وأنا في المستشفى رأيت حلماً. سقط السقف على رؤوس المصلين..!
-أعوذ باللّه من حلمك.. اسكت.. اسكت.
هتف محتجاً... فاستنكرت بحدة:
-لم تعجب يا عطا اللّه؟! السقف واقف على الصلوات. إنه آيل للسقوط. أما تراه كذلك؟
لم يرد سكت احتراماً لشيبته. إذ عادت زوجته حاملة ابريق الشاي ولوازمه. فتابعت بنبرة جازمة:
-سأبدأ بعد أسبوع.. يوم السبت القادم.. سأحفر لك الأساس يا حضرة الملاّ.
خاف أن أسمعه كلاماً خشناً فسارع للقول وهو ينهض قبل الانتهاء من تناول فطوره.
-بارك اللّه بك يا كاكاحمه. بارك اللّه.. هيّا بنا إلى المسجد.. حان وقت الصلاة.
ونهضت بدوري قائلاً:
-لا.. يا ملاّ. سأذهب إلى الأرض الشرقية. فلا تنسى عقد القران.. عصر اليوم.. وإذا وجدت يحيى ابن المخرف في المسجد أرسله لي... قل له كاكاحمه يريدك.
|