أنا!!
-لا.. أمي! نعم أنت.. تركتها بيد السلماني وخرجت! تنهدت وصمت مفكراً. تذكرت كل ما حصل فدهشت. لكني لم أشأ إظهار سذاجتي:
-أيقدر السلماني على اللعب بذيله؟
-كأنك لا تعرفه!
-وأنت لم تعرفني بعد يا حضرة المختار! لو فعل فمنجلي ينتظره.. أين هي الآن؟
-أخذتها منه، أردت تسليمها لخجة، البارحة.
جئت مع محمد... وجدناك نائماً. فأخذها محمد إلى كاتب عدل أربيل، ليوثق عملية البيع ويصدقها بصورة رسمية ليسهل تسجيل الأرض بالسجل العقاري، لتحصل على سند التمليك.
-حسناً فعلت يا مختار.. لكن.. كيف نسيتها عندكم؟
-اسأل نفسك!
-سأسألها..
-عجيب!!
هتف ساخطاً.
تطلعت إليه مستغرباً. فتابع غير عابئ بضجري.
-هل قصة البصمات صحيحة؟ أخبرتني خجة التزوير فلم أصدق. زاد ضجري ولم تعد لي رغبة في متابعة الحديث.
اختصرت الحديث في كلمتين:
-دوختني يا مختار.
تركته دون وداع وعدت من حيث أتيت.
وجدت نفسي بعد عدة أمتار عند باب الملاّ، فطرقته رغماً عني.. لا أدري لِمَ لم أحب هذا الرجل من كل قلبي، ولا أثق به أبداً فتحت لي زوجته. رحبت بي وأدخلتني. وأنسلت هي إلى المطبخ رأيت الملاّ يفترش أرض الصالة بجلبابه الأبيض العريض ولحيته الحمراء، المصبوغة "بحنة يزد" المهربة. يجفف شعر رأسه الكبير بمنشفة قطنية. مما دل على خروجه للتو من الحمام! كان الملاّ في الستين من عمره، قصير، ممتلئاً، طويل الوجه، واسع العينين كبير الأذنين. بينما كانت الخالة رباب طويلة جميلة، تصغره بسنوات قليلة، صحيح أن وجهها الملطخ دوماً يخدع الناظر، لكن رقبتها تفصح عن حقيقة عمرها.
-احك لي قصة الأرض يا كاكاحمه كيف اكتشفت التزوير بعد تلك السنين؟
-ستقصها عليك أمي.
اخرسته. تلعثم وقال بعد قليل:
-جسمك متورم يا بني!
-إنها لدغة ثعبان يا حضرة الملاّ!
-ألم تتداو؟
-نعم دهنت جسدي بعصير الصبير، وحقنت بإبرتين.
-حسناً فعلت.. ألم يكن أفضل لو أخذت حقنة "الأوس بورين"!
-الأسبرين يا ملاّ عطا اللّه.. اسمه الأسبرين.
-ماذا عملت أمس يا كاكاحمه؟
-لا أذكر.
-في بيت الآغا، وقبله مع سعدو؟
-إنه أمر اللّه القدير
أخرسته ثانية بردي القاطع. سكت لحظة وكاد يفتح موضوعاً جديداً لولا زوجته، عادت تحمل صحناً مليئاً بالفول المغطى بطبقة من البيض المحمر، المقلي بالزبد.
وضعته أمامي، فسحبه ناحيته قليلاً! ودعاني.
لم أتردد، شاركته الفطور، بشهية مفتوحة.
ونحن نأكل عاد للأسئلة:
-غبت أسبوعاً عن البيت، فأين كنت وماذا عملت؟
-لا يا ملاّ، إنها خمسة أيام بالتمام. ذهبت مع خالتي مريم لإجراء الفحوص الطبية.
-وماذا قالو لك؟ ماذا؟
-كل خير.. وعليه قررت الزواج اليوم.
-مبروك مقدماً.. أخبرتني أمك حفظها اللّه..
أحسنت الاختيار يا بني، أحسنت وباركك الله..