استأنفت سيري فسمعت صوتاً يناديني بعد عدة أمتار! التفتّ فرأيت المختار واقفاً في غرفة نومه، يسند كوعيه على قاعدة الشباك الغربي. يفرك عينيه لطرد النعاس. رثيت لحاله، فهو يعيش وحيداً. يتعاون على خدمته-منذ وفاة زوجته -شباب القرية. يطبخون له وينظفون داره ومكتبه.
-صباح الخير يا حضرة المختار.
-صباح النور يا كاكاحمه.. إلى أين؟
-أريد الصلاة في المسجد..
-المسجد صار خلفك يا كاكاحمه!
-صحيح! سأرجع.
استدرت عائداً فصاح مستغرباً، ساخراً:
-تعال هنا.. ماالذي جرى لك؟ ماذا بك؟ تصرفاتك غريبة!
-لا غريب إلا الشيطان يا حضرة المختار.
-القرية كلها تتحدث عنك.. لا حديث لهم غيرك..
-ما دمت لا أملك أقفالاً، فستظل أفواههم مفتوحة. رددته بسخط وحاولت المضي بعيداً عن وجهه فاستوقفني
-اخبرني باللّه عليك، من أين حصلت على الصكوك؟
أغضبني استفساره. تملكني النفور منه فصحت به:
-رجوتك يا مختار ألا تذكرها! والآن أنذرك إياك.. إياك أن تفتح فمك ثانية.. بصددها.. انسها..
-وحامد الجمولي..؟
-دسه بقدميك كحشرة قذرة. ما عاد له عندك أي شيء حتى عود كبريت.. فلا تخف منه..
-أتظنه يسكت.. سيشتكي علينا؟
-ليلحس البلاط.. كفاه استغلالاً لك.. مضت عشر سنوات على الحادث.. وأنت لم تزل في خنوع مستمر! وإذا ما اقترب منك. سأقتله وحق اللّه. سأحز رقبته وأحسب أن اللّه لم يخلقه.
ابتسم برضا واقتناع. دعاني للدخول فرفضت، وإذا به يسألني:
-لماذا نسيت أوراق الأرض؟
-أية أرض؟
-الأرض الشرقية!
-ما بها؟
رازني بفزع وزفر بغيط:
-لا تجنني يا كاكاحمه! ألم تشترها أمس من السلماني؟
-نعم.
-إذن لم تركت الأوراق ومضيت دون سلام؟!