زفر الآغا. وذكرني حمودة وهو يلج المضيف مع ابن سيده:
-أنت تتكلم مع الآغا السلماني!
-أعرف يا أعور.. يا شاهد الزور.. أتراني مثلك لا أميز الحمار من الإنسان؟
تلعثم الذليل، انعقد لسانه. وصاح حسان بانكسار:
-ماذا تريد؟ لم جئت؟
-لأتفرج على قباحتكم وأفضحكم.
-تأدب، احفظ لسانك.. ماذا جرى لك؟
-ابني في غاية الأدب. فالتزم الصمت أيها الغريب خير لك.
ردت أمي الرجل السمين، الجالس على يمين السلماني، فخر. خصني السلماني بنظرات ذئب لعب الفأر في عبه من كلامي.. فنفض سيجارته، بسبابته اليمنى، وقال مبدلاً لهجته، مرتدياً مسوح الواعظ.
-جاء، سعدو يشكو منك، ويدعي..
لم أدعه يكمل فمتى ما بدأ الثعلب بالنصح فقدت دجاجاتك..
-لا يصدق الثعلب إلاّ الثعلب.. ثم إنني لم أبدأ معه بعد بشأن الأرض أرتبك، أهتز بصورة ملحوظة. التقط إشارتي فأرتعشت يده وفضحت قسمات وجهه عن مدى اضطرابه. وقبل أن يتكلم أحد استطردت.
-أسألكم جميعاً-وعمري سيصل الثلاثين-أسمعتم أحداً يشكو مني؟ هل تجاسرت أو اعتديت على أحد منكم؟ لم أسمع أحداً كلاماً سيئاً، جارحاً، طوال عمري.
عشت بينكم بعيداً عن المشاكل، لم أمد يدي لمال أحد، أو أرفع بصري في وجه نسائكم أو بناتكم.. لم أخدش شرفكم.. فماذا حصلت؟ ضاع حقي...
-ابني يشرّفكم.. أشرف منكم جميعاً..
-الآن عدت لأطالب بحقوقي الضائعة.. كل حقوقي.. كان بيني وبين سعدو حساب قديم، صفيناه بهدوء.. حسابٌ اعترف به أمام الخالة زهرة وانتهينا منه. فلم تحشر أنفك وتتدخل؟
ازدرد ريقه. راح يغالب أمره ليتمالك نفسه ويخفي اضطرابه.
وبينما ران السكون وتوتر الجو. أخذ ينظر عبر الصمت المريب يحاول أن يستجلي حقيقة ما تراه حدقتاه.
-ألا تعرف أن الظلم لا يدوم ومرتعه وخيم يا سلماني؟
-كفى.. عمّ.. تتكلم؟
قاطعني بنبرة جافة، زعق ثانية مهدداً، ملوحاً بقبضته.
-من تحسب نفسك يا مجنون؟ لقد تماديت كثيراً.. تعديت حدودك..
لم أسمع بقية الكلام، فالغليان اندفع في أعماقي كالمراجل استفحل جنوني، واختمر الذل في داخلي حتى اشتعل ثورة لا تطفئها حراب الآغا ورجاله.
ومن جديد أدركت ضرورة الإسراع. والتصرف دون تردد.. كي لا أدعه هو يتمادى.. فسكوتي يعني أستسلامي، وضياع الفرصة التي تمنيتها، وانتظرتها طويلاً.. وها هو السلماني يتيحها لي.. يفرشها أمامي كبساط.
-اشهدوا يا رجال، إن منير سبني أمامكم دون وجه حق. ويبدو أنه يريد أخذ ثأر الأشهر الستة... لكني لن أمكنه. لم أكمل.. تعمدت مباغتتهم جميعاً، واستغلال عامل الوقت قفزت صوبه بخفة. وفي خلال ثوان كنت أقف خلفه وقبضتي اليمنى التي تتحكم بالمنجل على رقبته، واليسرى تمسك خصلة من شعره الأسود الفاحم.
حاول الحركة والإفلات فضربته بقدمي، رفسته فخمد كخروف العيد. وتقافز الرجال الثلاثة مبتعدين، كأرانب مذعورة. وتحرك حسان مصعوقاً وهدد. وشهر حمودة بندقية فحذرتهم:
-أبقوا في أمكنتكم ولا تخافوا.. لن يمسكم مني أذى.. وأنت أيها الأعور الذليل، أحذر من أن تخطئ الهدف فتصيب سيدك قبل أن أحز رقبته.
ران الصمت مرة أخرى. ثم راح السلماني الذي أخذته المفاجأة يرتعش ويتوسل. كأنه فطن أخيراً لمقدار تهوره، وأردك أنه أشعل النار في بيته، فخاف من الإنفجار المدمر، بعيد المدى، فقال مراوغاً:
-ماذا تريد يا بني؟ وأنت يا حمودة ألق البندقية.. ألق.. كلماته "المهذبة" أعطتني أنطباعاً بتخاذله أعلمتني بانهياره السريع غير المتوقع:
-بكم باعك أبي أرضه؟ بكم اشتريتها؟