2 -
استيقظت باكراً على صوت أمي وهي تصلي، تنصتّ لتمتماتها ولدعائها، استعذت باللّه ونهضت من سريري. حيث نمت بعمق وارتياح، لأول مرة منذ أسبوع.
توضأت ولبست معطفي وخرجت قاصداً الأرض الشرقية. أرض جدي التي استولى عليها السلماني بالحيلة إثر موت أبي. وأنا أشق طريقي إلى ما حلمت به طويلاً، لفحتني نسيمات الفجر الباردة ورطبت وجهي رطوبة الجو، وتناثرت فوق رأسي حبات المطر القليلة، المختبئة على أوراق الشجر منذ ليلة أمس.
على التربة الصلدة صليت. ثم شرعت في إلقاء نظرة شاملة، فاحصة عليها. قررت أن أبدأ معها. أفتتح مشاريعي بها... خططت وحذفت، وسمعت ومحوت، نصبت أسلاكاً وأعمدة وأقمت أسواراً وحدوداً في الهواء، حفرت وطمرت ثم استرحت، بقيت جالساً حتى أشرقت الشمس، وبدأ الناس يتوافدون جيئة وذهاباً. فقررت الذهاب إلى المختار. لكن ما إن ابتعدت عن الأرض حتى قادتني خطاي رغماً عني إلى مقهى نصار!
وجدتها مكتظة بالعاطلين، والعمال الباحثين عن العمل، والأزواج الهاربين من ضغط الحياة، وثرثرة نسائهم ومطالبهن.
وبسبب الحرب كان عدد الرجال قليلاً. وبعد هجرة الفلاحين أصبح عددهم بعدد الأصابع.
استقبلني الأصحاب بالقبل والأسئلة الثقيلة على القلب. وحين أدرت لهم ظهري راحوا يتابعون ثرثرتهم، ويلعبون النرد والدومينو والورق، ويدخنون بشراهة ويتحدثون عن موسم الحصاد الهزيل وظلم السلماني..
بقيت صامتاً لم أتدخل أو أشارك في أي حديث. عيناي وحدهما كانتا تتحركان، ولولاهما لبدوت للكثيرين أشبه بالصنم.
وكاد صمتي يستمر لولا سعدو. تناهى اسمه إلى مسامعي فتنبهت. تنصتّ إلى الحديث الدائر ففهمت أنه في مصيبة" أصغيت جيداً فسمعتهم يتحدثون عن "ثعبان ولج حظيرة حيواناته فقتل خروفاً ودجاجتين. واستقر في مربض البقرة عزيزة، التي فرت هاربة. ولولا زهرة زوجة سعدو وابنه لما استطاع أن يجد لها أثراً".
ونظراً لخبرتي الفائقة مع الكواسر، وشهرتي في الصيد فقد رمقتني العيون. كأنها تترجاني أن أنهض لمساعدته!
وكانت فرصتي... راجعت حساباتي، دورت الأمر في عقلي مرات، ثم وثبت فرحاً.
-إلى أين يا كاكاحمه؟ إلى أين!
هتف أكثر من شخص فلم أجب. أشرت إلى نصار وأنا اقتحم غرفته الملحقة بالمقهى، ليتبعني، ففعل مستغرباً:
-أغلق الباب وراءك يا نصار.
أمرته ففعل وهو أشد استغراباً.
أخرجت رزمة الأوراق من جيب معطفي وسحبت منها ما يخصه. دفعتها إليه، تناولها وتمتم.
-ما هذا يا كاكاحمه؟
قلبها بيدين مرتعشتين. وفحصها بعينيه الذاهلتين وهمس بفرح طاغ:
-إنها الصكوك وسندات الفائدة والأمانة... التي بذمتي لـ...
-أطبق شفتيك... خذ الزناد وأحرقها.