رد: العصفور والريح
أخت جدتي.
اكفهر وجهها بسبب الفشل. وكدت أصيح "ابتسمي أيتها الحبيبة، فالأبتسامة تزيد الوجه إشراقاً".
تملكتني رغبة جامحة في معانقتها، احتضانها وإعادة علاقة استمرت سنوات وانقطعت قبل أشهر. إنها حبيبة القلب الأولى. أحببتها من صميم قلبي وحلقت معها قبل مرضي، على متن آمال عراض... وأمي تعرف ذلك، لكنها خطبت لي شذى بنت عمتي نكاية بالمخرف.
لقد سمنت افتخار! والمرأة تسمن ما دامت في البيت، وتسمن أكثر في الشتاء. لكن هل ستبقى على ما هي عليه الآن بعد الذي سمعته؟ وبعد زواجي؟
ابتسمت لها وانتظرت استجابتها. ترقبتها بأمل. وفهمت مرادي وبدل أن تستجيب لاحظت انفعالها، أرتعاشة شفتيها اختلاج خديها واصفرار عنيها. وحسبت إنها ستهدأ سريعاً وتستكين وتتخلص من دوامة الصعقة. فإذا بها تزمجر مغتاظة:
-أين وعودك لي؟ سلمتك نفسي يا كاكاحمه!
-لم يتعد ما بيننا القبل.
-أتظنها لا تكفي للذبح؟ لو علم إخوتي بها لذبحوك قبلي ذات مرة، لمحنا يحيى ونحن نتبادل الحديث همساً، تحت العريشة فغض الطرف عنا. لاحظته أنذاك، وهو يبتعد خفية حتى لا يشعرنا بوجوده، ويحرجنا... لكن يوسف القصاب لم يسكت حين رآنا. صارحني علانية "إنني أشعر بالقلق كلما لحظت النظرات الغريبة التي تتبادلانها. ولن أسمح لكما بالانفراد".
أحسست بقلبي يغوص في صدري... فحدثتها بصراحة. فلم يكن أمامي إلاّ جرحها بصورة مؤقتة بدل تحطيم حياتها.
-صحيح أنني اتفقت مع يحيى على الزواج منك، لكني فكرت فيما بعد، فوجدت أن العقل والمنطق يمنعان زواجنا... فأنت أكبر مني بخمس سنوات.
أسقط في يدها فشهقت:
-عجيب!
وبدل أن تنخرط في البكاء افتعلت نبرة هزء في صوتها ونهرتني:
-الآن عرفت يا شاطر! ألم تعرف من قبل؟
-لا أريد ظلمك يا افتخار، فأنت شابة طموحة، ربما لا تحتملين إفلاسي ومرضي.
كشرت عن أسنان لؤلوية وبسطت راحتيها راضية مستأنسة وأعلنت:
-أنا موافقة على كل ما بك يا كاكاحمه... موافقة...وأبصم لك بالعشرة... أنا...
اختنقت لفظة (أحبك) في حنجرتها.
-وأنا لا أملك كما تقولين سوى قلاقيلي. وهدهد لا تحتاج إلاّ لهما.
استولت على روحها قبضة خانقة فزفرت بحدة، ثم فركت صدغيها بسبابتها والوسطى وتساءلت:
-لِمَ جعلتني انتظر كل هذه المدة؟!
سكتّ فطفرت حبات الدموع من عينيها المكحلتين، وسال الدمع الأسود فوق خديها، راسماً خطوطاً رفيعة، دروباً طويلة كطرق مظلمة، فآلمني منظرها لكني لم أظهر ليونة، صحيح إنها ستظن وتظن، ولكن سرعان ما تتأكد من بطلان ظنونها لذا تابعت "وقاحتي" كي أدخلها في يأس تام.
-أمي تقول: إن من يتزوج امرأة تكبره سناً يموت قبلها.
-كذب... لعنة اللّه على أمك. تزوج سيدنا محمد (ص) السيدة خديجة وهي أكبر منه، وماتت قبله! وخجة! كانت أكبر سناً من أبيك؟!
أردت ردعها برد يفحمها. غير أني لم أجد ضرورة لذلك تراجعت، وتلافيت زلة لساني. استطعت أن أسترد الكلمات قبل انزلاقها.
غمرتها الكآبة والخيبة وهي تقول:
-أنت تخشى أخوتي، فتتهرب مني..
-أعوذ باللّه.. ولِمَ هذه الخشية؟! لو أردتك يا افتخار لأدخلتك الغرفة الآن.
شع جبينها بالفرح وفي أعماقها صرخ صارخ يعلن رغبتها في تحقيق ذلك، وإن تظاهرت بالسخرية.
|