رد: العصفور والريح
خالكم المحترم لا يملك سوى قلاقيله.
أجاب عني صوت هازئ ناعم التفتّ مدهوشاً فشاهدت افتخار تطل من الباب الداخي، وتقترب مني. سر قلبي لرؤيتها وانتشت روحي. بدت نوعاً فريداً من النساء، لم تألفه عيناي في القرية، أصلحت هندامها ورجّلت شعرها فغدت أكثر نضجاً وفتوة!
راقبتها وهي تقف ضاحكة. تشد على يدي وتهمس مازحة
-أهلاً بالغائب الهارب!
وكأنها لاحظت ضعف شهيتي للكلام، وقلة انتباهي.
أشارت إلى أطفال أختي بالانصراف ولكزتني بمرفقها.
-تعال، أنا في شوق إليك.
-عدّت للتحرش بي! ألا تكفين عن ذلك؟
ضحكت من غمازتي خديها وهمست بمحبة ودلع:
-الحب ليس حراماً يا كاكاحمه!
ما زالت ابنة المخرف تستحم بمياه الذكرى، تتعلق بخيوط الشمس الواهية، وتحبني إلى درجة الأحلام. لقد أحببتها بدوري، وسأبقى. فهي لم تزل كما كانت دائماً تضج بأنوثة صارخة. كنت ولم أزل أشتهيها. وحلمت بالزواج منها... لكن اللّه غالب على أمره!
قبل أن أعلق هدر صوت المخرف الأجش، يستفر بآزدراء
-أهذا ابن خجة؟ ماذا جاء يفعل؟
-جاء بتوكيل من عزرائيل ليقبض روحك.
صاحت افتختار وهي تمد رأسها صوب الداخل... سمعته يسبها، فسألتها:
-ألم يمت بعد؟
-أبي لن يموت إلاّ بعد أن يقبرناكلنا.
-اللّه يشفيه ويعافيه.
-قل يقصف عمره ويأخذ أمانته ادع يا كاكاحمه، دعاء الشريف مستجاب.
-هل رشرش الصالة؟
أخرجت حشرجة من حلقها ودمدمت.
-الصالة فقط! بوله غطى البيت كله. ما عدت أطيقه، ما عدت
استشعرت عذابها فسألتها وهي تسحب لي كرسياً، من الكراسي الستة القديمة، المصنوعة من خشب الجوز المصفوفة في الممر.
-ألا تساعدك بشيرة؟
-بشيرة!! اللّه يساعدها ويعينها على أطفالها الخمسة بسببهم ستجن. يكفيها همّهم وهمّ أخي المحترم يحيى، ثم إنه أبي... وأنا أولى بالعناية به.
استأنست بحديثها فقلت وأنا أجلس أمامها مباشرة.
-بارك اللّه بك.
ارتاحت لجوابي فقربت كرسيها مني وتساءلت بمكر:
-أجئت من أجل عيسى حقاً؟ قيل لي إنك سألت عنه.
هل جلبت له أمر التعيين كما وعد الجمولي؟
هززت رأسي نافياً وتمنيت أن أسمع منها ما يفرحني لأبدأ مع أخيها بتحقيق الأمل الذي راود خيالي وسكنه، منذ كلمني مجيد عن الفائدة الكبرى، والذي فكرت به أكثر من أي شيء آخر، وباهتمام فاق تصوري.
-ذهب إلى بغداد ليشتري كتباً جديدة، ليتثقف! لأن شهادة دار المعلمين لم تكفه! أخذ حفنة دنانير من أبي!
|