Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 218

Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/showpost.php on line 223
منتديات شباب فلسطين - عرض مشاركة واحدة - العصفور والريح
الموضوع: العصفور والريح
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-14-2009, 11:01 AM   #6
الطالب المجتهد
I ♥ PALESTINE
 
الصورة الرمزية الطالب المجتهد
اللهم نجحني يارب
الحمد لله بخير ..

قوة السمعة: 130 الطالب المجتهد will become famous soon enough

افتراضي رد: العصفور والريح

تنهدت لأروح من غيظي. إذا إن واجبي يحتم عليّ الهدوء والالتزام بأبسط نصائح الطبيب، قبل أن تعاودني الحالة من جديد. فالصداع الذي استعمر رأسي ولم يتركني منذ كأس العميد، لا يرحم. وإذا ما عاد فسيطرحني في الفراش ممزقاً، محطماً لأيام... لا يعلمها إلاّ اللّه.‏

-اذهبي يا أمي. أرجوك دعيني أرتاح قليلاً. وسأذهب إلى الملاّ بعد أن آكل..‏

زفرت بحرقة وكشفت عما بها من مرارة:‏

-تأكل!! ماذا تأكل؟ لا يوجد في البيت شيء يؤكل. ولا أملك درهماً لأصرفه عليك.‏

صعقت! أيعقل أن يفرغ بيتنا من الطعام؟ وتفرغ جيوب أمي من المال؟ بيتنا الذي كانت عمتي تصفه بأنه أفضل من دكان زوجها! وأمي التي وعيت على الدنيا وجيوبها ملأى بالدنانير... وصدرها يضج بلمعان القلادتين، وتحتشد الأساور والمعاضد الذهبية بمعصميها!‏

التقت نظراتنا المستغربة الحزينة فأكملت ودمع غزير صامت ينساب علىخديها.‏

-لم أبع صوفي بعد. وأختك لم تذكرني منذ يومين!‏

-ألم تقصدي دكان الحاج صالح؟‏

-استحيت... كثرت ديوننا.‏

-وعمي!! ألم تذهبي إليه؟‏

-عمك حسن ليس أحسن منا. دكان الحلاقة لا يدر ربحاً. ولولا الملاّ لهلك... ثم إننا أثقلنا عليه..‏

دخت. أمسكت رأسي دهشة وقنوطاً. وقبل أن أقع في شر الاضطراب تماسكت وطالبتها بهدوء:‏

-إذن اذهبي إلى ملاّعطا اللّه. اخبريه أننا جياع، ليزودنا بمؤونة الشهر. وأعلميه بأني سآتيه بعد صلاة المغرب لآخذه إلى بيت عم مصطفى لنكتب الكتاب... فليكن مستعداً، وليحضّر شاهدين... هيّا توكلي على اللّه...‏

لحظت ترددها، فلم أتحرج. زفرت بعمق ورجوتها:‏

-يا أمي، دخيل اللّه لا تؤخريني... أمامي عدة أعمال. لا بدّ من إنجازها... لا بدّ توكلي على اللّه وانهضي..‏

تمعنت في وجهي بأندهاش صارخ، كأنما تراني لأول مرة في حياتها. حاولت أن تستوضح مني إلاّ أن طبيعتها الهادئة ألجمت اندفاعهما في التصريح عما تحس به.‏

-قولي له: إن كاكاحمه يعرف كل الحيل والآلاعيب جيداً. لذا فهو لا يحب سماع "أعطونا مهلة نأخذ رأي البنت وأمها" أو"دعونا نستشير ونأخذ خيرة" لا يحب.‏

أدركت فشل محاولاتها فتركت مغزلها على الأرض، وابتعدت قليلاً.. ثم فرّت من أمامي كغزالة مذعورة. الجوع أشعرني بصداع! بداية صداع قد يهدني. وعلى غير ما تعودت، قررت التخلص منه بنسيانه. فبدل أن أدس رأسي بين وسادتين أرتجف وأبكي، رحت ألوب في أرجاء الدار. لم أرد البقاء طريح الفراش، لا أقدر أن أرى نوراً أو أسمع ضجة لدقائق، بقيت أذرع فناء الدار جيئة وذهاباً. استرجع لحظات سوقي إلى الخدمة العسكرية كجندي مكلف. واختياري من قبل "العريف إسماعيل مونرو" للاشتراك في ألعاب القوى وساعات التدريب الشاق وفوزي المتكرر، لسنتين متتاليتين بالمرتبة الأولى في كل المسابقات.‏

هدأت وخف الألم. ولم أجد مفراً من المضي إلى بيت المخرف، لأعاتب بشيرة ولأستفسر عن عيسى، ولأتناول عندهم ما يمسك رمقي. فأمي ستتأخر دون شك...‏

سرت بسرعة، لم أبال بتحيات من قابلني. ولم أرد على سلام أحد منهم. حتى أني لم أجب على أسئلتهم...‏

كان بيت المخرف في نهاية الطريق الرئيسي، واسعاً، متميزاً بلونه الأبيض. تحيطه حديقة عامرة مسوّرة بأعمدة خشبية متينة، يليها نبات الآس ذو الرائحة الطيبة. وتظلل بابه العريض عريشة عالية من الكروم. تحتها مدت حبال غسيل نثرت عليها ملابس ملونة زاهية، وعلى خشب السور غسيل منشور بكثافة.‏

لفت نظري منظر الدجاجات وهي تنتشر بكثرة، تدور هنا وهناك وعلى قرب كانت مجموعة من عصافير الدوري تغمس مناقيرها في الطشت النحاسي. فتمنيت اقتناصها وأخذها إلى أمي لتشويها في التنور.‏

استقبلني أطفال بشيرة الثلاثة تسلقوا ظهري وكتفي كالقرود، فرحين مستبشرين. وخرجت الكبرى حنان تحمل الرضيع سامر شبه عار. أردت توبيخها بسبب برودة الجو، فلاحظت بقعاً حمراء على جلده. وهممت بسؤالها عن سر ذلك فشاغلتني انهمكت في تفتيش جيوبي مستفسرة: -ألم تجلب لنا حلوى يا خالي؟‏


  اقتباس المشاركة